الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              واعتل موجبو الصدقة في ذلك بأن قالوا: قد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم على أن في الإبل والبقر والغنم السائمة صدقة، وكل ذلك أموال يتخذها أهلها لمنافعهم، إما للنسل والنماء، وإما للرسل والمتاع، قالوا: فلا معنى في شيء من ذلك إلا وفي الخيل والرقيق مثله، من أنها قد تتخذ للنسل والنماء والرسل والمتاع، فتشرب ألبان الخيل، وتركب ظهورها، ويطلب نتاجها، ويستخدم الرقيق ويطلب نسله قالوا: فذلك كله متفق الأحكام باتفاق معانيه، في أن ما وجب في بعضه وجب في جميعه، وما بطل عن بعضه بطل عن جميعه، إذا كانت الأحكام على المعاني لازمان.

              قالوا: وإن أحق الناس بأن يقول ما قلنا في الخيل والرقيق، ويوجب فيهما [ ص: 959 ] ما أوجبنا من الصدقة، من أوجب الصدقة في الدخن والذرة والأرز، لموافقة ذلك التمر والزبيب والبر والشعير، في أنه مأكول مكيل يدخر يابسا ويقتات غذاء، كالذي يفعل من ذلك في البر والشعير، فوجب عنده التسوية بين أحكام جميع ذلك لاتفاق معانيه في ما وصفنا قالوا: فالخيل ليست بأبعد شبها من الإبل والبقر من الدخن والذرة والأرز من البر والشعير قالوا: فمن أنكر ما قلنا في الخيل والرقيق، وأنكر تسويتنا بينهما وبين الإبل والبقر في الصدقة، من أوجب الصدقة في الدخن والذرة والأرز فليأتنا بفرق يفرق بينه وبين من سوى بين الخيل والرقيق والإبل والبقر في الصدقة، وأنكر التسوية بين الذرة والدخن والبر والشعير قالوا: وبعد، فإن الخيل والرقيق قد أخذ الصدقة منهما إماما هدى بين المهاجرين والأنصار الذين هم الحجة على من سواهم، فلم ينكر ذلك منهم منكر،  ولم يعترض بالنكير منهم معترض، ولو كان ذلك خلافا لحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ما رضوا بذلك، ولا أقروه عليه، ولأنكروه أشد الإنكار.

              قالوا: ولكن ذلك كان هو الحق، فلم ينكره منهم منكر، بل رضوا به وسلموا له.

              والصواب من القول في ذلك عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى به فعل الأئمة الراشدين، وهو أن لا صدقة في خيل لغير تجارة ولا رقيق كذلك،  وأنها في معنى الحمر، والبغال التي قد أجمع الجميع وارثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا صدقة فيها [ ص: 960 ] ومن أبى ما قلنا في ذلك، وأبى إلا القول بوجوب الصدقة فيه، سئل الفرق بينه وبين متحكم تحكم تحكمه، فأوجب الصدقة في الحمر والبغال، وأنكر إيجابها في الخيل والرقيق ، فإن زعم أن الفرق بينه وبين اتفاق الجميع على إنكار الصدقة في الحمر والبغال، واختلافهم في الخيل والرقيق، قيل له: فرد المختلف فيه من ذلك على المجمع عليه منه، إذ كان كل ذلك متفقة معانيه، وإلا فأتنا بفرق يوجب المخالفة بين أحكام ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له؟ فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله ، وقد بينا وجه أخذ عمر ما أخذ من أرباب الخيل والرقيق في ذلك، وإعلامه إياهم أن صاحبيه مضيا قبله على ترك الأخذ منهم من ذلك شيئا بما أغنى عن تكريره وإعادته، فإذ كان صحيحا ما قلنا وبينا من القول في الصدقة في الخيل والرقيق بالذي به استشهدنا، وكان ذلك عرضا من العروض، فبين أن مثله كل عرض لغير تجارة في أن لا صدقة فيه بالغا ثمنه وقيمته ما بلغ، سوى ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه، ففرض فيه الصدقة، وسوى ما كان نظيرا لذلك ومثلا.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية