الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        قوله جل وعز: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله   .

        163 - حدثنا زكريا بن داود ، قال : حدثنا أحمد بن منيع ، وعمرو بن زرارة ، قالا : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرنا يزيد بن أبي زياد ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، أنه قال في هذه الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ، قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها .

        - ورواه نصر بن علي ، عن معتمر ، عن أبيه ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس [ ص: 94 ] .

        164 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا عبد الأعلى ، قال : سئل داود بن أبي هند ، عن قوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه الآية ، فحدثني داود ، عن عكرمة ، قال : هي في الشهادة إذا كتمها .

        165 - حدثنا علان بن المغيرة ، قال : حدثنا أبو صالح ، قال : حدثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله عز وجل : " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، فإنها لم تنسخ ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة ، يقول الله جل وعز : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم ، وهو قوله عز وجل : يحاسبكم به الله ، يقول : يخبركم ، فأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب ، وهو قوله : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، وهو قوله : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " .

        166 - حدثنا موسى بن هارون ، قال : حدثنا شجاع ، قال : حدثنا إسماعيل بن علية ، قال : حدثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، قال : من الشك واليقين [ ص: 95 ] .

        167 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا

        حماد ، عن علي بن زيد ، عن أمية ، أنها سألت عائشة ، عن قول الله جل وعز : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله و من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ، فقالت : ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا عائشة ، هذه متابعة الله عز وجل للعبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة ، حتى البضاعة يضعها الرجل في كمه فيفقدها ، فيفزع لها فيجدها في بيته ، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير   .

        168 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ ، قال : حدثنا زهير ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا سفيان ، عن آدم بن سليمان مولى خالد ، قال : سمعت سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت هذه الآية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : سمعنا وأطعنا وسلمنا ، قال : فأكفأ الله الإيمان في قلوبهم ، قال : فأنزل الله جل وعز : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ، الآية : لا يكلف الله نفسا الآية ، إلى قوله : أو أخطأنا ، قال : قد فعلت ، [ ص: 96 ] ربنا ولا تحمل علينا إصرا ، قال : فعلت واعف عنا إلى قوله : فانصرنا على القوم الكافرين ، قال : قد فعلت "   .

        169 - حدثنا زكريا بن داود ، قال : حدثنا محمد بن أبان ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، عن همام ، عن جعفر بن سليمان ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : كنت عند ابن عمر ، فقرأ : لله ما في السماوات وما في الأرض إلى قوله : والله على كل شيء قدير ، فبكى! فأتيت ابن عباس ، فقلت : يا ابن عباس : كنت عند ابن عمر آنفا ، فقرأ هذه الآية فبكى ، فقال أية آية ؟ فقلت : لله ما في السماوات وما في الأرض إلى قوله : والله على كل شيء قدير ، فضحك ابن عباس ، فقال : يرحم الله ابن عمر ، أوما يدري فيم أنزلت وكيف أنزلت ؟! إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا رسول الله ، هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وما نعمل ، فأما قلوبنا فليست بأيدينا! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : سمعنا وأطعنا ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ فنسختها هذه الآية : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون إلى قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال   " .

        170 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن إبراهيم ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، [ ص: 97 ] عن أبي هريرة ، قال : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : لله ما في السماوات الآية ، اشتد ذلك على الصحابة ، فأتوا رسول الله ، وجثوا على الركب ، فقالوا : أي رسول الله! كلفنا من العمل ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول الله : تريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ، فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم ، أنزل الله جل وعز في إثرها : آمن الرسول الآية . فلما قالوا ذلك نسخها الله ، فأنزل الله جل وعز : لا يكلف الله نفسا إلى ما اكتسبت ؛ فصار له ما كسب من خير ، وعليه ما اكتسب من شر ، قال : فنسخت هذه ما كان قبلها ، قالوا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، قال : نعم ، قال : ولا تحمل علينا إصرا ، إلى آخر الآية "   .

        171 - حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا هشيم ، عن سيار أبي الحكم ، عن الشعبي ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، في قول الله جل وعز : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ، قال : نسختها الآية التي بعدها : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

        [ ص: 98 ] - وقال الحسن : نسختها : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

        - وقال قتادة ، وإبراهيم مثل ذلك .

        قوله جل وعز فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء .

        172 - حدثنا زكريا ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : قال سفيان في قوله : " فيغفر لمن يشاء ، قال : يغفر لمن يشاء بالكبير ، ويعذب من يشاء ، بالصغير .

        التالي السابق


        الخدمات العلمية