الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
باب ذكر الآية السابعة عشرة.

قال الله جل وعز وأتموا الحج والعمرة لله الآية،  وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه بعد أن أحرموا بالحج ففسخوه وجعلوه عمرة.

واختلف العلماء في فسخ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 541 ] الحج بعد أن أهلوا به إلى العمرة  فقالوا فيه أربعة أقوال، فمنهم من قال: إنه منسوخ.

97 - كما روي عن عمر ، رحمه الله أنه قال في وأتموا الحج والعمرة لله : "إتمامهما أن لا يفسخا وقد قيل في إتمامهما غير هذا".

98 - كما قرئ على عبد الله بن أحمد بن عبد السلام ، عن أبي الأزهر ، قال: حدثنا روح ، قال: حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن سلمة ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه في قول الله جل وعز وأتموا الحج والعمرة لله قال: "أن تحرم من دويرة أهلك".

[ ص: 542 ] 99 - وقال سفيان: "إتمام الحج والعمرة أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة" ، وقيل: إتمامهما أن تكون النفقة حلالا.

100 - وقال مجاهد ، وإبراهيم: "إتمامهما أن يفعل فيهما كل ما أمر به، وهذا قول جامع".

وذهب أبو عبيد إلى أن فسخ الحج إلى العمرة منسوخ بما فعله الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله عنهم؛ لأنهم لم يفسخوا حجهم ولم يحلوا إلى يوم النحر.

[ ص: 543 ] فهذا قول في فسخ الحج: إنه منسوخ والقول الثاني إن فسخ الحج إنما كان لعلة وذلك أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويرون أن ذلك عظيم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج وتحويله إلى العمرة ليعلموا أن العمرة في أشهر الحج  جائزة، والدليل على أنهم كانوا يتجنبون العمرة في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة في قول ابن عمر وفي قول ابن عباس: "شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة" [ ص: 544 ] والقولان صحيحان؛ لأن العرب تقول: جئتك رجبا ويوم الجمعة وإنما جئت في بعضه فذو الحجة شهر الحج؛ لأن الحج فيه.

101 - ولأن أحمد بن شعيب حدثنا قال: أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى ، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن وهيب بن خالد ، قال: حدثنا عبد الله بن طاوس ، عن أبيه،عن ابن عباس ، قال: كانوا يرون أن العمرة، في أشهر الحج من أفجر فجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون: إذا برأ الدبر، [ ص: 545 ] وعفا الوبر وانسلخ صفر أو قال: دخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أي الحل نحل؟ قال: "الحل كله" فهذان قولان.

والقول الثالث: إن ابن عباس كان يرى الفسخ جائزا ويقول: من حج فطاف بالبيت فقد حل لا اختلاف في ذلك عنه.

102 - قال ابن أبي مليكة: قال له عروة يا ابن عباس ، أضللت الناس.

[ ص: 546 ] قال له: بم ذاك يا عرية؟ قال: تفتي الناس بأنهم إذا طافوا بالبيت حلوا وقد حج أبو بكر ، وعمر فلم يحلا إلى يوم النحر فقال له ابن عباس: قال الله جل وعز ثم محلها إلى البيت العتيق أأقول لك قال الله جل وعز ثم تقول لي قال أبو بكر ، وعمر وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفسخ؟.

قال أبو جعفر: وهذا القول انفرد به ابن عباس كما انفرد بأشياء غيره.

فأما قوله جل وعز ثم محلها إلى البيت العتيق فليس فيه حجة لأن الضمير للبدن وليس للناس ومحل الناس يوم النحر على قول الجماعة ولهذا سمي يوم الحج الأكبر وذلك صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 547 ] وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعن ابن عباس ، وإن كان قد روي عن ابن عباس أنه يوم عرفات فهذه ثلاثة أقوال في فسخ الحج.

[ ص: 548 ] والقول الرابع: أصحها للتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أنه مخصوص.

103 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد العزيز عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن الحارث بن بلال ، عن أبيه، قال: قلنا: يا رسول الله، أفسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: "بل لنا خاصة".

[ ص: 549 ] 104 - وقال أبو ذر: كان فسخ الحج لنا رخصة.

فإن احتج محتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم في غير هذا الحديث: [ ص: 550 ] 105 - "ذلك لأبد الأبد" فلا حجة له فيه؛ لأنه يعني بذلك جواز العمرة في أشهر الحج.

[ ص: 551 ] 106 - فأما حديث عمر أنه قال في المتعة: إن أتيت بمن فعلها عاقبته، وكذا المتعة الأخرى.

[ ص: 552 ] فإحداهما المتعة المحرمة بالنساء التي هي بمنزلة الزنا، والأخرى فسخ الحج فلا ينبغي لأحد أن يتأول عليه أنها المتعة في أشهر الحج لأن الله جل وعز قد أباحها بقوله جل وعز فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي .

[ ص: 553 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية