الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

                  ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

                  صفحة جزء
                  والمثل [1] الذي يذكرونه من قولهم حركت يدي ، فتحرك خاتمي ، أو كمي [2] ، أو المفتاح [3] ، ونحو ذلك حجة عليهم لا لهم ، فإن حركة اليد ليست هي العلة التامة ، ولا الفاعل لحركة الخاتم ، [ بل الخاتم ] [4] مع الإصبع كالإصبع مع الكف ، فالخاتم متصل [5] بالإصبع ، والإصبع متصلة بالكف لكن الخاتم يمكن نزعها بلا ألم بخلاف الإصبع ، وقد يعرض بين الإصبع والخاتم خلو يسير [6] بخلاف أبعاض الكف .

                  ولكن حركة الإصبع شرط في حركة الخاتم ، كما أن حركة الكف شرط في حركة الإصبع أعني في الحركة المعينة التي مبدؤها من اليد بخلاف الحركة التي تكون للخاتم ، أو للإصبع ابتداء ، فإن هذه [ متصلة ] [7] منها إلى الكف كمن يجر إصبع غيره ، فيجر معه كفه .

                  وما يذكرونه من أن التقدم والتأخر  يكون بالذات والعلة كحركة [ ص: 171 ] الإصبع ، ويكون بالطبع كتقدم الواحد على الاثنين ، و [ يكون ] بالمكانة [8] كتقدم العالم على الجاهل ، و [ يكون ] بالمكان [9] كتقدم الصف الأول على الثاني : وتقدم مقدم المسجد على مؤخره ، ويكون بالزمان كلام مستدرك .

                  فإن التقدم والتأخر المعروف هو التقدم والتأخر بالزمان ، [ فإن قبل ] [10] وبعد ومع ونحو ذلك ، معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني ، وأما التقدم بالعلية [11] ، أو الذات مع المقارنة في الزمان ، فهذا لا يعقل ألبتة ، ولا له مثال مطابق في الوجود ، بل هو مجرد تخيل لا حقيقة له .

                  وأما تقدم الواحد على الاثنين ، فإن عنى به الواحد المطلق ، ( 5 فهذا لا وجود له في الخارج ، ولكن في الذهن ، والذهن يتصور الواحد المطلق 5 ) [12] قبل الاثنين المطلق ، فيكون متقدما في التصور تقدما زمانيا ، وإن لم يعن به هذا فلا تقدم ، بل الواحد شرط في الاثنين مع كون الشرط لا يتأخر عن المشروط ، بل [13] قد يقارنه وقد يكون معه ، فليس هنا تقدم واجب [14] غير التقدم الزماني .

                  وأما التقدم بالمكان ، فذاك نوع آخر ، وأصله من التقدم بالزمان ، فإن [ ص: 172 ] مقدم المسجد تكون فيه الأفعال المتقدمة بالزمان على مؤخره ، فالإمام يتقدم فعله بالزمان لفعل المأموم ، فسمي محل الفعل المتقدم متقدما ، وأصله هذا .

                  وكذلك التقدم بالرتبة ، فإن أهل الفضائل مقدمون في الأفعال الشريفة والأماكن [15] ، وغير ذلك على من هو [16] دونهم ، فسمي ذلك تقدما ، وأصله هذا .

                  وحينئذ فإن كان الرب هو الأول المتقدم على كل ما سواه [17] كان كل شيء متأخرا عنه ، وإن قدر أنه لم يزل فاعلا فكل فعل معين ومفعول معين هو متأخر عنه .

                  التالي السابق


                  الخدمات العلمية