قال الرافضي [2] السادس [3] : إن الإمامية لما رأوا فضائل أمير المؤمنين وكمالاته لا تحصى [4] قد رواها المخالف والموافق [5] ، ورأوا الجمهور قد نقلوا عن غيره من الصحابة مطاعن كثيرة ، ولم ينقلوا في طعنا ألبتة اتبعوا علي [6] قوله ، وجعلوه إماما لهم ; حيث نزهه المخالف والموافق [7] وتركوا غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته . ونحن نذكر هنا شيئا يسيرا مما هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم [8] ، ليكون حجة عليهم يوم القيامة .
فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الأندلسي في الجمع بين الصحاح الستة : موطأ [9] وصحيحي مالك البخاري ومسلم [10] [ ص: 6 ] وسنن وصحيح أبي داود وصحيح الترمذي النسائي [11] زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قوله تعالى : أم سلمة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا [ سورة الأحزاب : 33 ] أنزلت [12] في بيتها وأنا جالسة عند الباب فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت ؟ فقال : إنك على خير إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . [13] قالت : وفي البيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [14] وعلي وفاطمة والحسن والحسين [15] فجللهم بكساء وقال : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . عن
والجواب أن يقال : إن لأبي بكر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة وعمر لعلي ، والأحاديث التي ذكرها هذا وذكر أنها في الصحيح عند الجمهور ، وأنهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم هو من أبين الكذب على علماء الجمهور ; فإن هذه الأحاديث التي ذكرها ، أكثرها كذب أو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدل على الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة علي ولا على فضيلته على إمامة [ ص: 7 ] أبي بكر * ، بل وعمر [16] وليست من خصائصه بل هي فضائل شاركه فيها غيره بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر * وعمر [17] ; فإن كثيرا منها خصائص لهما لا سيما فضائل ؛ فإن عامتها خصائص لم يشركه فيها غيره . أبي بكر
وأما ما ذكره من المطاعن فلا يمكن أن يوجه على الخلفاء الثلاثة من [18] مطعن إلا وجه على علي ما هو مثله أو أعظم منه .
فتبين أن ما ذكره في هذا الوجه من أعظم الباطل ونحن نبين ذلك تفصيلا .
وأما قوله : إنهم جعلوه إماما لهم حيث نزهه المخالف والموافق [19] وتركوا غيره حيث روى من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته .
فيقال : هذا كذب بين ; فإن رضي الله عنه لم ينزهه المخالفون ، بل القادحون في عليا طوائف متعددة وهم أفضل من القادحين في علي أبي بكر وعمر والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه ، فإن وعثمان الخوارج متفقون على كفره وهم عند المسلمين كلهم [20] خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته ، بل هم - والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين - خير عند جماهير المسلمين من الرافضة الاثني عشرية الذين اعتقدوه إماما معصوما .
[ ص: 8 ] وأبو بكر وعمر وعثمان [21] ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة ، والخوارج المكفرون يوالون لعلي أبا بكر ويترضون عنهما ، وعمر والمروانية الذين ينسبون إلى الظلم ويقولون : إنه لم يكن خليفة يوالون عليا أبا بكر مع أنهما ليسا من أقاربهم ؛ فكيف يقال مع هذا : إن وعمر نزهه المؤالف عليا [22] والمخالف بخلاف الخلفاء الثلاثة ؟ .
ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل ، وأن القادحين في - حتى علي [23] بالكفر والفسوق والعصيان - طوائف معروفة ، وهم أعلم من الرافضة وأدين ، والرافضة عاجزون معهم علما ويدا ؛ فلا يمكن الرافضة أن تقيم عليهم حجة تقطعهم بها ، ولا كانوا معهم في القتال منصورين عليهم .
والذين قدحوا في رضي الله عنه وجعلوه كافرا وظالما ليس فيهم طائفة معروفة بالردة عن الإسلام ، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة ، كالغالية الذين يدعون إلاهيته من علي النصيرية وغيرهم ، وكالإسماعيلية الملاحدة الذين هم شر من النصيرية ، وكالغالية الذين يدعون نبوته ; فإن هؤلاء كفار مرتدون ، كفرهم [ ص: 9 ] [ بالله ورسوله ] [24] ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام ، فمن اعتقد في بشر الإلهية ، أو اعتقد بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا ، أو أنه لم يكن نبيا ، بل كان هو النبي دونه وإنما غلط علي جبريل ; فهذه المقالات ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن يعرف الإسلام أدنى معرفة .
بخلاف من يكفر ويلعنه من عليا الخوارج ، وممن [25] قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم ; فإن هؤلاء كانوا مقرين بالإسلام وشرائعه : يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون رمضان ، ويحجون البيت العتيق ، ويحرمون ما حرم الله ورسوله ، وليس فيهم كفر ظاهر ؛ بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظمة عندهم . وهذا أمر يعرفه كل من عرف أحوال الإسلام ، فكيف يدعى مع هذا أن جميع المخالفين نزهوه دون الثلاثة ؟ .
بل إذا اعتبر الذين كانوا يبغضونه ويوالون والذين كانوا يبغضون عثمان ويحبون عثمان ، وجد هؤلاء خيرا عليا [26] من أولئك من وجوه متعددة ؛ فالمنزهون القادحون في لعثمان أعظم وأدين [ ص: 10 ] وأفضل من المنزهين لعلي القادحين في علي ، [ عثمان كالزيدية مثلا ] [27] .
فمعلوم أن الذين قاتلوه ولعنوه وذموه من الصحابة والتابعين وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولونه ويلعنون ، ولو تخلى أهل السنة عن موالاة عثمان رضي الله عنه وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته ، لم يكن في المتولين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من علي الخوارج والأموية والمروانية ; فإن هؤلاء طوائف كثيرة . \ 510 ومعلوم أن شر الذين يبغضونه هم الخوارج الذين كفروه ، واعتقدوا أنه مرتد عن الإسلام [28] واستحلوا قتله تقربا إلى الله تعالى ، حتى قال شاعرهم عمران بن حطان :
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره حينا [29] فأحسبه
أوفى البرية عند الله ميزانا
يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره حينا فألعنه لعنا وألعن عمران
وأما رضي الله عنه فقد اتفق الصحابة وسائر المسلمين على كفرهم ، وكفرهم علي نفسه وحرقهم بالنار علي بن أبي طالب . وهؤلاء الغالية يقتل الواحد منهم المقدور عليه ، وأما الغالية في الخوارج فلم يقاتلهم [36] حتى قتلوا واحدا من المسلمين ، وأغاروا على أموال الناس فأخذوها ، فأولئك حكم فيهم علي وسائر الصحابة بحكم المرتدين ، وهؤلاء لم يحكموا علي [37] فيهم بحكم المرتدين .
[ ص: 13 ] وهذا مما يبين أن الذين زعموا أنهم والوه دون أبي بكر وعمر يوجد فيهم من الشر والكفر باتفاق وعثمان وجميع الصحابة ما لا يوجد في الذين عادوه وكفروه ، ويبين أن جنس المبغضين علي [38] لأبي بكر شر عند وعمر وجميع الصحابة من جنس المبغضين علي [39] . لعلي