الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              مسألة: يملك الأب إجبار البكر البالغ على النكاح   . وعنه لا يملك كقول أبي حنيفة . لنا حديثان:

                                                              الحديث الأول:

                                                              1705 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، قال: أنبأ عبد الرحمن بن أحمد ، أنبأ محمد بن عبد الملك ، أنبأ علي بن عمر ، ثنا الحسين بن إسماعيل ، قال: ثنا يوسف بن موسى ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن زياد بن سعد ، عن عبد الله بن الفضل سمع نافع بن جبير يذكر عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها . فوجه الدليل أنه قسم النساء قسمين ثيبا وأبكارا ، ثم خص الثيب بأنها أحق من وليها مع أنها هي والبكر اجتمعتا في ذهنه ، فلو أنها كالثيب في ترجح حقها على حق الولي لم يكن لإفراد الثيب بهذا معنى ، وصار هذا كقوله: في سائمة الغنم الزكاة ، فإن قالوا: لفظ الصحيح في هذا الحديث الأيم ، وهي التي لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا ، وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن لفظ الثيب صحيح. قال الدارقطني : روى هذا الحديث جماعة عن مالك عن عبد الله بن الفضل بهذا الإسناد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: الثيب أحق بنفسها منهم شعبة وابن مهدي وعبد الله بن داود الحربي وسفيان بن عيينة ويحيى بن أيوب المصري وغيرهم كلهم قال: الثيب. والثاني: أن المراد ههنا بالأيم الثيب ، لأنه لما ذكر البكر علم أنه أراد الثيب؛ إذ ليس ثم قسم ثالث.

                                                              الحديث الثاني:

                                                              1706 - أنبأنا عبد الوهاب الحافظ ، أنبأ أحمد بن الحسن أبو طاهر ، أنبأ أبو علي بن شاذان ، ثنا دعلج ، ثنا محمد بن علي بن زيد ، ثنا سعيد بن منصور ، قال: ثنا هشيم ، ثنا ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن الحسن ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تستأمر الأبكار في أنفسهن ، فإن أبين أجبرن . هذا مرسل ، وفي إسناده عبد الكريم البصري وقد أجمعوا على الطعن فيه. احتجوا بتسعة أحاديث:

                                                              [ ص: 262 ]

                                                              الحديث الأول:

                                                              حديثنا وهو قوله: البكر تستأمر .

                                                              الحديث الثاني:

                                                              1707 - أخبرنا هبة الله بن محمد ، أنبأ الحسن بن علي ، أنبأ أحمد بن جعفر ، ثنا عبد الله بن أحمد ، حدثني أبي ، ثنا حسين ، ثنا جرير ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن جارية بكرا أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة ، فخيرها النبي -صلى الله عليه وسلم- .

                                                              الحديث الثالث:

                                                              1708 - قال أحمد : وثنا عبد الرزاق ، أنبأ ابن جريج أخبرني عطاء الخراساني ، عن ابن عباس أن خذاما أبا وديعة أنكح ابنته رجلا ، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فاشتكت إليه أنها نكحت وهي كارهة ، فانتزعها النبي -صلى الله عليه وسلم- من زوجها وقال: لا تكرهوهن .

                                                              الحديث الرابع:

                                                              1709 – وبالإسناد- قال أحمد : وثنا وكيع ، عن كهمس بن الحسن ، عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت: جاءت فتاة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله ، إن أبي ونعم الأب هو زوجني ابن أخيه ليرفع من حيسته ، قالت: فجعل الأمر إليها ، فقالت: إني قد أجزت ما صنع أبي ، ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء .

                                                              الحديث الخامس:

                                                              1710 - أخبرنا ابن عبد الخالق ، أنبأ عبد الرحمن بن أحمد ، قال: ثنا ابن بشران ، ثنا علي بن عمر الدارقطني ، ثنا محمد بن إسماعيل الأيلي ، ثنا أحمد بن عبد الله بن سليمان الصنعاني ، ثنا إبراهيم ، ثنا عبد الملك الذماري ، عن سفيان ، عن هشام صاحب الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رد نكاح بكر وثيب أنكحهما أبوهما وهما كارهان ، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- نكاحهما .

                                                              الحديث السادس:

                                                              1711 - وبالإسناد قال الدارقطني : وثنا عمر بن محمد بن القاسم الأصبهاني ، ثنا محمد بن أحمد بن راشد ، ثنا موسى بن عامر ، ثنا الوليد ، قال: قال ابن أبي ذئب أخبرني نافع ، عن ابن عمر أن رجلا زوج ابنته بكرا فكرهت ذلك ، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- نكاحها .

                                                              وفي رواية أخرى عن ابن عمر ، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينتزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكارا بعد أن يزوجهن الآباء إذا كرهوا ذلك .

                                                              [ ص: 263 ]

                                                              الحديث السابع:

                                                              1712 - وبالإسناد قال الدارقطني : وثنا ابن صاعد ، ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ، ثنا الحكم بن موسى ، ثنا شعيب بن إسحاق ، عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن جابر أن رجلا زوج ابنته وهي بكر من غير أمرها ، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- ففرق بينهما .

                                                              والجواب أما استئمار البكر فلتطييب قلبها ، وجمهور الأحاديث محمول على أنه زوج من غير كفء ، وقولها: زوجني ابن أخيه يكون ابن عمها من الأم على أنه قد قال الدارقطني : حديث ابن عباس وجابر وعائشة مراسيل ، وأبو بريدة لم يسمع من عائشة ، وقد أنكر أحمد حديث جابر ، وقال الدارقطني : الصحيح أنه مرسل عن عطاء أن رجلا ، وقول شعيب وهم. قال: وحديث الذماري وهم فيه الذماري على سفيان والصواب عن عكرمة مرسل. قال: وحديث ابن عمر لا يثبت عن ابن أبي ذئب لم يسمعه من نافع ، إنما سمعه من عمر بن حسين ، وقد سئل عن هذا الحديث أحمد فقال: باطل.

                                                              التالي السابق


                                                              الخدمات العلمية