الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: أن نابغة بني جعدة أنشده شعرا فقال له: "أجدت لا يفضض الله فاك" قال فنيف على المائة وكأن فاه البرد المنهل ترف غروبه. 

وفي غير هذه الرواية فما سقطت له سن إلا فغرت مكانها سن [ ص: 190 ] حدثنيه ابن الفارسي نا إسماعيل بن يعقوب الصفار نا سوار بن سهل نا سليمان بن أحمد الحرشي نا عبد الله بن محمد بن حبيب الكعبي عن مهاجر بن سليم عن عبد الله بن جراد قال سمعت نابغة بني جعدة يقول أنشدت رسول الله قولي:


علونا السماء عفة وتكرما وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

قال فغضب رسول الله وقال لي: "إلى أين المظهر يا أبا ليلى" قلت إلى الجنة يا رسول الله قال: "أجل إن شاء الله" ثم أنشدته:


فلا خير في حلم إذا لم تكن له     بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له     حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

قال: "أجدت لا يفضض الله فاك" قال فنظرت إليه وكأن فاه البرد المنهل ترف غروبه.
المظهر: المصعد والمرتقى قال الله تعالى: ومعارج عليها يظهرون وقالت عائشة: "كان رسول الله يصلي العصر والشمس في حجرتي قبل أن تظهر".

أخبرناه ابن داسة أنا أبو داود نا القعنبي عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة .

يريد قبل أن ترتفع وتصعد إلى شعف الجدر [ ص: 191 ] ورواه سفيان عن الزهري فقال: والشمس طالعة في حجرتها لم يظهر الفيء بعد. حدثونا به عن محمد بن إسحاق بن خزيمة بإسناده.

وقال محمد بن إسحاق: لم يظهر أي لم يغلب الفيء على الشمس في حجرتها وليس هذا عندي بالوجه لأن الفيء وقت العصر في الأبنية لا محالة أغلب من الشمس. وإنما معناه لم يصعد الفيء بعد إلى أعالي الحيطان.

فأما قوله: إنه كان يصلي والشمس حية فإن حياتها صفاء لونها قبل أن تصفر أو تتغير قال ذو الرمة:


يريك نجوم الليل والشمس حية     زحام بباب الحارث بن عباد

وقوله: بوادر تحمي صفوه أن يكدرا فإنها جمع بادرة وهي الكلمة تكون من الإنسان في حال الغضب. يقول: إن الحليم إذا لم تكن منه بادرة يقمع بها السفيه استضعف واستذل كقول الشاعر:


إذا أنت لم تخشف مع الحلم خشفة     من الجهل لم يعزز أخ أنت ناصره

وقوله: لا يفضض الله فاك أخبرني أبو عمر أنا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قال معناه لا يكسر الله أسنانك التي في فيك ثم حذف لعلم المخاطب كما يقال يا خيل الله اركبي أي يا ركاب خيل الله ومثل هذا في الاختصار قوله: وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أي حب [ ص: 192 ] العجل وقال: واسأل القرية أي: أهل القرية: وأنشدنا أبو عمر :


حسبت بغام راحلتي عناقا     وما هي ويب غيرك بالعناق

يريد بغام عناق.

وفيه لغتان لا يفضض الله فاك ولا يفض الله فاك فمن قال يفضض فمعناه يكسر ويفل ومن قال يفضي أراد لا يجعل الله فاك فضاء لا سن فيه والبرد المنهل هو الذي سقط لوقته وفيه بياضه ورونقه يقال هل السماء بالمطر هلا وانهل انهلالا وهو شدة انصبابه.

وقوله: ترف غروبه معناه تبرق وتلألأ يقال رف الثغر يرف قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:


يرف إذا تفتر عنه كأنه     حصا برد أو أقحوان منور

وقال نصر بن حجاج وقد حلقه عمر بن الخطاب:


فصلع رأسا لم يصلعه ربه     يرف رفيفا بعد أسود جاثل

وغروبه ماؤه وأشره قال امرؤ القيس:


فتور القيام قطيع الكلا     م تفتر عن ذي غروب خصر

وقوله: فغرت يريد طلعت ويقال فغر الورد إذا تفتق ومنه فغر [ ص: 193 ] الفم وهو فتحه ويجوز أن يكون ثغرت أي طلع ثغره والفاء تبدل من الثاء في لغة كثير من العرب كقولهم جدث وجدف وثوم وفوم.

التالي السابق


الخدمات العلمية