الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
534 - وقال أبو عبيد في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - : "المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ،  ويرد عليهم أقصاهم ، وهم يد على من سواهم لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده " [ ص: 54 ] .

حدثنا أبو عبيد : قال : حدثناه يحيى بن سعيد القطان ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن عن قيس بن عباد ، عن علي [كرم الله وجهه ] عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

[قال أبو عبيد ] : أما قوله : تتكافأ دماؤهم ، فإنه يريد تتساوى في القصاص والديات ، فليس لشريف على وضيع فضل في ذلك .

ومن هذا قيل : في العقيقة عن الغلام شاتان مكافئتان ،  قال : والمحدثون يقولون : شاتان مكافأتان - يقول : متساويتان ، وكل شيء ساوى شيئا حتى يكون مثله فهو مكافئ [له ] ، والمكافأة بين الناس من هذا [ ص: 55 ] .

يقال : كافأت الرجل ، أي فعلت به مثل ما فعل بي ، ومنه الكفء من الرجال للمرأة - كفء وكفئ - . يقال : إنه مثلها في حسبها ، قال الله [تبارك وتعالى ] : ولم يكن له كفوا أحد

وأما قوله : يسعى بذمتهم أدناهم :  فإن الذمة الأمان ، يقول : إذا أعطى الرجل منهم العدو أمانا جاز ذلك على جميع المسلمين ليس لهم أن يخفروه كما أجاز عمر [رضي الله عنه ] أمان عبد على جميع أهل العسكر ، وكان "أبو حنيفة " لا يجيز أمان العبد إلا بإذن مولاه .

وأما عمر [رضي الله عنه ] فليس فيه ذكر مولى .

ومنه قول سلمان الفارسي [رضي الله عنه ] "ذمة المسلمين واحدة " والذمة هي الأمان . ولهذا قيل للمعاهد : ذمي ؛ لأنه قد أعطي الأمان على ماله ودمه ؛ للجزية التي تؤخذ منه [ ص: 56 ] .

حدثنا أبو عبيد : قال : حدثنا هشيم ، عن محمد بن قيس ، عن الشعبي قال : لم يكن لأهل السواد عهد ، فلما أخذت منهم الجزية صار لهم عهد ، أو قال : ذمة . الشك من أبي عبيد .

وأما قوله : "يرد عليهم أقصاهم "  فإن هذا في الغزو إذا دخل العسكر أرض الحرب ، فوجه الإمام منه السرايا ، فما غنمت من شيء . جعل لها ما سمي لها ، ورد ما بقي على أهل العسكر ؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة ردءا للسرايا .

وأما قوله : "وهم يد على من سواهم " :  فإنه يقول : إن المسلمين جميعا كلمتهم ونصرتهم واحدة على جميع الملل المحاربة لهم يتعاونون على ذلك ويتناصرون ولا يخذل بعضهم بعضا .

وأما قوله : "لا يقتل مؤمن بكافر "  فقد تكلم الناس في معنى هذا قديما ، فقال بعضهم : لا يقتل مؤمن بكافر كان قتله في الجاهلية ، وقالوا فيه غير هذا [أيضا ] [ ص: 57 ] .

قال أبو عبيد : وأما أنا فليس له عندي وجه ولا معنى إلا أنه لا يقاد مؤمن بذمي ، وإن قتله عمدا ، ولكن تكون عليه الدية كاملة في ماله . وأما رأي "أبي حنيفة " وجميع أصحابه ، فإنهم يرون أن يقاد به لحديث يروى عن ابن البيلماني .

قال أبو عبيد : سمعت ابن أبي يحيى يحدثه عن ابن المنكدر ، [ عن عبد الرحمن ] . قال أبو عبيد : وسمعت "أبا يوسف " يحدثه عن ربيعة الرأي كلاهما عن ابن البيلماني " .

ثم بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال : أنا حدثت ربيعة [الرأي ] بهذا الحديث إنما دار الحديث على ابن يحيى ، عن ابن المنكدر ، عن عبد الرحمن [ ص: 58 ] بن البيلماني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقاد معاهدا من مسلم ،  وقال : "أنا أحق من وفى بذمته " .

[قال أبو عبيد ] : وهذا حديث ليس بمسند ، ولا يجعل مثله إماما يسفك به دماء المسلمين :

قال أبو عبيد : وقد أخبرني عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد الواحد بن زياد .

قال : قلت لزفر : إنكم تقولون : إنا ندرأ الحدود بالشبهات ، وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها .

قال : وما هو ؟

قلت : المسلم يقتل بالكافر .  

قال : فاشهد أنت على رجوعي عن هذا .

قال أبو عبيد : وكذلك قول أهل الحجاز لا يقيدونه به .

وأما قوله : "ولا ذو عهد في عهده " :  فإن ذا العهد : الرجل من أهل الحرب [ ص: 59 ] يدخل إلينا بأمان ، فقتله محرم على المسلمين حتى يرجع إلى مأمنه ،  وأصل هذا من قول الله - سبحانه - : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه فذلك قوله : "في عهده" ، يعني : حتى يبلغ المأمن ، أو الوقت الذي يوقته له ، ثم لا عهد له .

قال أبو عبيد : وحدثنا عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن زياد بن مسلم ، أن رجلا من أهل الهند قدم "عدن " بأمان ، فقتله رجل بأخيه ، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز ، فكتب أن يؤخذ منه خمسمائة دينار ، ويبعث بها إلى ورثة المقتول ، وأمر بالقاتل أن يحبس .

قال أبو عبيد : وهكذا كان رأي "عمر بن عبد العزيز [رحمه الله ]

كان يرى دية المعاهد  نصف دية المسلم ، فأنزل ذلك الذي دخل بأمان منزلة الذمي ، المقيم مع المسلمين ، ولم ير على قاتله قودا ، ولكن عقوبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقتل مسلم بكافر "   [ ص: 60 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية