[ ص: 489 ] الآية التاسعة عشرة
قوله تعالى : { كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم }
فيها إحدى وعشرون مسألة :
المسألة الأولى : في سبب نزولها : روى عن أبو الخليل صالح بن أبي مريم الضبعي قال : { أبي سعيد الخدري أوطاس لهن أزواج في قومهن ، فكرهتهن رجال ، فذكروا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأنزل الله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } } . وقد خرج عن أصبنا سبايا يوم أبي الخليل مسلم . والبخاري
المسألة الثانية : قوله : { والمحصنات } : بناء " ح ص ن " على المنع ، ومنه الحصن ; لكن يتصرف بحسب متعلقاته وأسبابه ; فالإسلام حصن ، والحرية حصن ، والنكاح حصن ، والتعفف حصن ; قال الله تعالى : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة } ; وهو الإسلام . وقال تعالى : { والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ، فهن الحرائر . وقال تعالى : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } هن العفائف .
{ } . وقال صلى الله عليه وسلم : { وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أحصنت ؟ يعني تزوجت ؟ قال : نعم } . خرجه أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ، من أحصن منهم ومن لم يحصن . [ ص: 490 ] وتصريفه غريب ; يقال : أحصن الرجل فهو محصن بفتح العين في اسم الفاعل ، وأسهب في الكلام فهو مسهب إذا أطال القول فيه ، وألفج فهو ملفج إذ كان عديما ، ولا رابع لها . والله أعلم . مسلم
المسألة الثالثة : في إشكالها : قال : كان سعيد بن جبير لا يعلمها . وقال ابن عباس : لو أعلم أحدا يفسر هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل ، وذلك لا يدريه إلا من ابتلي بالقرآن ومعانيه ، وتصدى لضم منتشر الكلام ، وترتيب وضعه ، وحفظ معناه من لفظه . مجاهد
المسألة الرابعة : في سرد الأقوال : الذي تحصل عندي فيه ستة أقوال :
الأول : أن المحصنات ذوات الأزواج ; قاله ، ابن عباس ، وابن مسعود وغيرهم . وقاله وابن المسيب واختاره . مالك
الثاني : ذوات الأزواج من المشركين ; قاله علي وغيرهما . وأنس
الثالث : من جميع النساء الأربع اللواتي حللن له ; قاله عبيدة .
الرابع : أنهن جميع النساء على الإطلاق ; قاله وغيره . طاوس
الخامس : المعنى لا تنكح المرأة زوجين .
السادس : أن المحصنات الحرائر ; قاله عروة وابن شهاب
المسألة الخامسة : في سرد الأقوال في قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } : فيه ثلاثة أقوال : الأول : قالوا : ; ذكره بيع الأمة طلاقها ، ابن عباس ، وأبي ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك . [ ص: 491 ] وعن وابن مسعود عكرمة عن : طلاق الأمة ستة : بيعها وعتقها وهبتها وميراثها وطلاق زوجها ، زاد ابن عباس : وانتزاع سيدها لها من ملك زوجها عبده . الثاني : يعني به المرأة الحربية إذا سبيت ; فإن السباء يفسخ النكاح . الثالث : قوله : { أنس بن مالك إلا ما ملكت أيمانكم } إلا الإماء والأزواج ، وهو اختيار ; وقال : زوجك ما ملكت يمينك . طاوس
المسألة السادسة : في تنزيل الأقوال وتقديرها : أما من قال : إنهن ذوات الأزواج ; فذوات الأزواج على قسمين : مسلمات وكافرات ، والمسلمات على قسمين : حرائر وإماء ، فيعمهن التحريم على هذا التأويل ، ويرجع الاستثناء في قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } إلى بعضهن وهن الإماء ، أو إلى بعض البعض وهن المسبيات ; فإن رجع إلى الإماء جملة فعليه يتركب أن بيع الأمة المزوجة فراق بينها وبين زوجها ، وإن رجع إلى المسبيات وفيه وردت الآية فيكون التقدير : حرمنا عليكم كل ذات زوج ، إلا من سبيتم . وعلى أنهن جميع الإماء يكون التقدير : حرمنا عليكم كل ذات زوج إلا ما ملكتم .
وأما من قال : إنهن جميع النساء فيكون تنزيل الآية عنده : حرمنا عليكم من تقدم تحريما مدبرا ، وحرمنا عليكم جميع النساء إلا بملك نكاح أو شراء ، وكلهن ما ملكت أيمانكم . وأما من قال : إنهن جميع النساء إلا أربع فدعوى أن هذه الآية نزلت بعد الآية الأولى في ابتداء السورة في الأربع ; فإن ثبت ذلك تعذر ذلك له لفظا وبطل معنى ، على ما نبينه إن شاء الله تعالى . وقول مقدر بنوع ونحو مما تقدم . وأما من قال : إنهن الحرائر فيكون تقدير الآية : وحرمنا عليكم الحرائر من النساء ، وأحللنا لكم ما ملكت أيمانكم . مجاهد
[ ص: 492 ] المسألة السابعة : في الاعتراض على الأقوال : أما من خصصها في بعض النساء فيعترض عليه أن البعض يبقى حلا ، والآية إنما جاءت لبيان المحرمات والمحللات منهن ، فإن بقي من الأزواج له من الحرائر أو من المسلمات ، أو كل تأويل يقتضي بقاء بعضهن فذلك بعيد في التأويل مفسر للتنزيل . وأما من عمم جميع المسائل إلا الأربع فمبني على دعوى لا برهان عليها . وأما من عمم في الكل فهو الصحيح ، ويقع الاستثناء بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } في الإماء أو في الزوجة والأمة ; وهذا موضع الإشكال العظيم .
المسألة الثامنة : في المختار : وهذا المشكل هو الذي ملنا إليه قديما وحديثا ، وذلك أن من قال : إن قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } راجع إلى الشراء والنكاح فيعترض عليه بقوله تعالى : { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين } ، فقد ميز بينهما ، ولم يطلق قط أحد من أرباب الشريعة على الحرة في ملك النكاح بأنها ملك اليمين فإنها تملك منه ما يملك منها ، أما إنه له عليها درجة ، ولكن نقول : إن قوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } يرجع إلى الإماء ، وقوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يرجع إلى من عدا المنصوص على تحريمهن .
وأما من قال : إنها في الإماء كلهن ، فإن ملك الأمة المتجدد على النكاح يبطله ، فموضع إشكال عظيم ، ولأجله تردد فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بيد أن الظاهر أن ملكا متجددا لا يبطل نكاحا متأكدا ، ولو أنه ملك منفعة رقبتها لرجل بالإجارة ثم يبيعها ما أبطل الملك المتجدد ملك منفعة الرقبة ; فملك منفعة البضع أولى أن يبقى ، فإن أحق الشروط أن يوفى به ما استحلت به الفروج ، فعقد الفرج نفسه أحق بالوفاء به من عقد منفعة الرقبة . [ ص: 493 ] والذي يقطع العذر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير بريرة ولم يجعل ما طرأ من العتق عليها ، ولا ما ملكت من نفسها ، مبطلا لنكاح زوجها ، وعليه يحمل كل ملك متجدد . وقد بيناه في مسائل الخلاف وفيما أشرنا إليه هاهنا من الأثر والمعنى كفاية لمن سدد النظر ، فوضح أن المراد بالمحصنات الجميع ، وأن المراد بملك اليمين السبي الذي نزلت الآية في بيانه .
وأما تحريم الأربع فيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .