nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106nindex.php?page=treesubj&link=28973_22177ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبيء - صلى الله عليه وسلم - بقولهم
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=91نؤمن بما أنزل علينا وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن
محمدا وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقا لها فكيف يكون شرعه مبطلا للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبدل شريعة بشريعة .
وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله "
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=91قل فلم تقتلون أنبئاء الله من قبل " وقوله
[ ص: 655 ] "
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=94قل إن كانت لكم الدار الآخرة " إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=105ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب إلى قوله " ذو الفضل العظيم " المنبئ أن العلة هي الحسد . فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ . والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلا من أصول الشرائع وهو
nindex.php?page=treesubj&link=22169_22189أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة . ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة
اليهود بالرد عليهم ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله " ألم تعلم " وعطفه عليه بقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=108أم تريدون أن تسألوا رسولكم ولقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106ما ننسخ من آية ولم يقل من شريعة . وفي هذا إعراض عن مخاطبة
اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد على
اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع .
وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول ، ففي الكشاف والمعالم نزلت لما قال
اليهود ألا ترون إلى
محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، وفي تفسير
القرطبي أن
اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن
محمدا يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه ، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضا .
وقرأ الجمهور ( ننسخ ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع ( نسخ ) ، وقرأه
ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزا بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية . وما شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسما للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضا توجب إبهاما في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهما فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به .
و " من آية " بيان لما . والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر . قال
الحارث بن حلزة :
من لنا عنده من الخير آيا ت ثلاث في كلهن القضاء
[ ص: 656 ] ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آيي أو آوي . ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول ، قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=59وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=101وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبرا مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيرا في
بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيسا . وقال
سحيم العبد :
ألكني إليها عمرك الله يا فتى بآية ما جاءت إلينا تهاديا
ولذا أيضا سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفا . والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقي لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن .
والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر قاله
الراغب ، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها ، تقول : نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ، ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ، ويقال : نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى ، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر ، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل ، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام
الراغب ، وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتا محضا لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة ، قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=29إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون وقال
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=154وفي نسختها هدى ورحمة وأما قولهم
[ ص: 657 ] الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز . ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة ، فلا تقول : نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير .
nindex.php?page=treesubj&link=22169والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نأت بخير منها أو مثلها وهو المعروف عند الأصوليين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع ، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف .
إذ البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات ، فالأول نحو قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=198ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في التجارة ، في الحج ، حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي ، ومثال الثاني قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=24وأحل لكم ما وراء ذلكم بعد ذكر النساء المحرمات وقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار . وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتا لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيى بغاية عند انتهاء غايته ، ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار . وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة ، وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام ، كما قالوا : نؤمن بما أنزل علينا وهو أحوال : الأول : مجيء شريعة لقوم مجيئا مؤقتا لمدة حياة الرسول المرسل بها
[ ص: 658 ] فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة
نوح وإبراهيم وشريعة
يوسف وشريعة
شعيب قال تعالى :
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=34ولقد جاءكم يوسف إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=34إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة
إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما كانت
عبس مثلا يجوز لها اتباع شريعة
إبراهيم فلما جاءهم
خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه . الثاني : أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع
موسى ثم تجيء بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت بعضا كشريعة
عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضا وتفسر بعضا ،
فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء
بني إسرائيل مثل
أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ، ولا يخالف هذا النوع نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان .
الثالث : مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالا عاما بحيث تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتلقى شيئا من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلام فيه بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام وقد اختلف في أن
nindex.php?page=treesubj&link=27262شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ لكن ذلك الخلاف ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=90فبهداهم اقتده وقوله " أو ننسها " قرأه
نافع وابن عامر وعاصم وحمزة nindex.php?page=showalam&ids=15080والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخلف ( ننسها ) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء . وقرأه
ابن كثير وأبو عمرو ( ننسأها ) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون ، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها
[ ص: 659 ] فكني عنه بالنسئ وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى الناس العمل به فيكون ذلك إبطالا للحكم لأنه لو كان قائما لما سكت الرسول عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالا في القرآن ، ونظيره في السنة قول رسول الله
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341145لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول
nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين ، والله لأرمين بها بين أظهركم . ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة . أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين ، والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها .
nindex.php?page=treesubj&link=28973_22189وقوله nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نأت بخير منها أو مثلها جواب الشرط وجعله جوابا مشعر بأن هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع النسخ هو الناسخ من شريعة أو حكم والمأتي به مع الإنساء من النسيان هو الناسخ أيضا من شريعة أو حكم أو هو ما يجيء من الأحكام غير ناسخ ولكنه حكم مخالف ينزل بعد الآخر والمأتي به مع النسء أي التأخير هو ما يقارن الحكم الباقي من الأحكام النازلة في مدة عدم النسخ .
وقد أجملت جهة الخيرية والمثلية لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فتجده مرادا إذ الخيرية تكون من حيث الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس ، أو ما يدفع عنهم مضرة ، أو ما فيه جلب عواقب حميدة ، أو ما فيه ثواب جزيل ، أو ما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وإن كان حملهم على الشدة قد يكون أكثر مصلحة .
وليس المراد أن كل صورة من الصور المفروضة في حالات
nindex.php?page=treesubj&link=22168النسخ والإنساء أو النسء هي مشتملة على الخير والمثل معا وإنما المراد أن كل صورة منهما لا تخلو من الاشتمال على الخير منها أو المثل لها فلذلك جيء بأو في قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106بخير منها أو مثلها فهي مفيدة لأحد الشيئين مع جواز الجمع .
[ ص: 660 ] وتحقيق هاته الصور بأيديكم ، ولنضرب لذلك أمثالا ترشد إلى المقصود وتغني عن البقية مع عدم التزام الدرج على القول الأصح فنقول : ( 1 ) نسخ شريعة مع الإتيان بخير منها كنسخ التوراة والإنجيل بالإسلام . ( 2 ) نسخ شريعة مع الإتيان بمثلها كنسخ شريعة
هود بشريعة
صالح فإن لكل فائدة مماثلة للأخرى في تحديد أحوال أمتين متقاربتي العوائد والأخلاق
فهود نهاهم أن يبنوا بكل ريع آية يعبثون
وصالح لم ينه عن ذلك ونهى عن التعرض للناقة بسوء . ( 3 ) نسخ حكم في شريعة بخير منه مثل نسخ كراهة الخمر الثابتة بقوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219قل فيهما إثم كبير ومنافع بتحريمها بتاتا فهذه الناسخة خير من جهة المصلحة دون الرفق ، وقد يكون الناسخ خيرا في الرفق كنسخ تحريم الأكل والشرب وقربان النساء في ليل رمضان بعد وقت الإفطار عند الغروب إذا نام الصائم قبل أن يتعشى بقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله : من الفجر قال في الحديث في صحيح
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري ففرح المسلمون بنزولها . ( 4 ) نسخ حكم في الشريعة بحكم مثله كنسخ الوصية للوالدين والأقربين بتعيين الفرائض والكل نافع للكل في إعطائه مالا ، وكنسخ فرض خمسين صلاة بخمس صلوات مع جعل ثواب الخمسين للخمس فقد تماثلتا من جهة الثواب ، وكنسخ آية
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=184وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين بقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=185فمن شهد منكم الشهر فليصمه إلى قوله
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=184وأن تصوموا خير لكم فإثبات كون الصوم خيرا من الفدية . ( 5 ) إنساء بمعنى التأخير لشريعة مع مجيء خير منها ، تأخير ظهور دين الإسلام في حين الإتيان بشرائع سبقته كل واحدة منها هي خير بالنسبة للأمة التي شرعت لها والعصر الذي شرعت فيه فإن الشرائع تأتي للناس بما يناسب أحوالهم حتى يتهيأ البشر كلهم لقبول الشريعة الخاتمة التي هي الدين عند الله فالخيرية هنا ببعض معانيها وهي نسبية . ( 6 ) إنساء شريعة بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوعه بعد حين ومع الإتيان بمثلها كتأخير شريعة
عيسى في وقت الإتيان بشريعة
موسى وهي خير منها من حيث الاشتمال على معظم المصالح وما تحتاج إليه الأمة . ( 7 ) إنساء بمعنى تأخير الحكم المراد مع الإتيان بخير منه كتأخير تحريم الخمر وهو مراد مع الإتيان بكراهته أو تحريمه في أوقات الصلوات فقط فإن المأتي به خير من التحريم من حيث الرفق بالناس في حملهم على مفارقة شيء افتتنوا بمحبته . ( 8 ) إنساء شريعة بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها أي أوسع وأعم مصلحة وأكثر
[ ص: 661 ] ثوابا لكن في أمة أخرى أو بمثلها كذلك . ( 9 ) إنساء آية من القرآن بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها في باب آخر أي أعم مصلحة أو بمثلها في باب آخر أي مثلها مصلحة أو ثوابا مثل تحريم الخمر في وقت الصلوات وينزل في تلك المدة تحريم البيع في وقت صلاة الجمعة . ( 10 ) نسيان شريعة بمعنى اضمحلالها كشريعة
آدم ونوح مع مجيء شريعة
موسى وهي أفضل وأوسع وشريعة
إدريس مثلا وهي مثل شريعة
نوح . ( 11 ) نسيان حكم شريعة مع مجيء خير منه أو مثله ، كان فيما نزل عشر رضعات معلومات يحرمن ، فنسخن بخمس معلومات ثم نسيا معا وجاءت آية
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=23وأخواتكم من الرضاعة على الإطلاق والكل متماثل في إثبات الرضاعة ولا مشقة على المكلفين في رضعة أو عشر لقرب المقدار .
وقيل المراد من النسيان الترك وهو حينئذ يرجع معناه وصوره إلى معنى وصور الإنساء بمعنى التأخير .
والمقصد من قوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نأت بخير منها أو مثلها إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعا أو حكما ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال ، وما أخر حكما في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم ، وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة ، ومراد الله تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=19إن الدين عند الله الإسلام وقال أيضا
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=13شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا الآية .
والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر . فقوله تعالى (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نأت بخير منها أو مثلها ) هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز . وتوزيع هذا
[ ص: 662 ] الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز . والمعنى إنا لم نترك الخلق في وقت سدى . وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه البدا .
وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصورا تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها .
ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى " ننسها " أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة ، أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبيء - صلى الله عليه وسلم - إياها فيكون نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلا على النسخ واستدلوا لذلك بحديث أخرجه
nindex.php?page=showalam&ids=14687الطبراني بسنده إلى
nindex.php?page=showalam&ids=12ابن عمر :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341146قال قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فغديا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له فقال لهما : إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها . قال
ابن كثير هذا الحديث في سنده
سليمان بن أرقم وهو ضعيف وقال
ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به
nindex.php?page=showalam&ids=14687الطبراني وكيف خفى مثله على أئمة الحديث .
والصحيح أن نسيان النبيء ما أراد الله نسخه ولم يرد أن يثبته قرآنا جائز ، أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبيء معصوم عنه قبل التبليغ ، وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز وقد روي أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال
لأبي لم لم تذكرني ؟ قال : حسبت أنها رفعت ، قال : لا ، ولكني نسيتها اهـ . والحق عندي أن النسيان العارض الذي يتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية لمنافاته لظاهر قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نأت بخير منها أو مثلها ) وأما النسيان المستمر للقرآن فأحسب أنه لا يجوز . وقوله تعالى
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=6سنقرئك فلا تنسى دليل عليه ، وقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=7إلا ما شاء الله ) هو من باب التوسعة في الوعد ، وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى .
وأما ما ورد في صحيح
مسلم عن
أنس قال : كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب اهـ . فهو غريب وتأويله أن هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها ، ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اهـ .
وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع وقد اتفق علماء الإسلام على
nindex.php?page=treesubj&link=22177جواز النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا
أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل إن خلافه لفظي وتفصيل
[ ص: 663 ] الأدلة في كتب أصول الفقه . وقد قسموا
nindex.php?page=treesubj&link=22209نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام : نسخ التلاوة والحكم معا وهو الأصل ومثلوه بما روي عن
أبي بكر كان فيما أنزل [ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ] . ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بقاء الإعجاز ببلاغة الآية ، ومثاله آية
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=65إن يكن منكم عشرون صابرون إلى آخر الآيات . ونسخ التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روي عن
عمر كان فيما يتلى : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد تأولوا قول
عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيرا بحكمه .
وقد كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ففي
nindex.php?page=showalam&ids=12070البخاري في التفسير قال
ابن الزبير قلت
لعثمان nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=240والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال : يا ابن أخي ، لا أغير شيئا منه من مكانه .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106nindex.php?page=treesubj&link=28973_22177مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلْآيَاتِ قَبْلَهَا أَنَّ الْيَهُودَ اعْتَذَرُوا عَنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِالنَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِمْ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=91نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَأَرَادُوا بِهِ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِغَيْرِهِ وَهُمْ فِي عُذْرِهِمْ ذَلِكَ يَدَّعُونَ أَنَّ شَرِيعَتَهُمْ لَا تُنْسَخُ وَيَقُولُونَ إِنَّ
مُحَمَّدًا وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهُ جَاءَ مُصَدِّقًا لَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْعُهُ مُبْطِلًا لِلتَّوْرَاةِ وَيُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ بِمَا سَمَّوْهُ الْبَدَاءَ وَهُوَ لُزُومُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا يَحْسُنُ تَشْرِيعُهُ وَأَنَّهُ يَبْدُو لَهُ الْأَمْرُ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنْهُ وَيُبَدِّلُ شَرِيعَةً بِشَرِيعَةٍ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَدَّ عَلَيْهِمْ عُذْرَهُمْ وَفَضَحَهُمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعِهِمْ حَتَّى يَتَصَلَّبُوا فِيهِ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ "
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=91قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِئَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ " وَقَوْلُهُ
[ ص: 655 ] "
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=94قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ " إِلَخْ وَبِأَنَّهُمْ لَا دَاعِيَ لَهُمْ غَيْرُ الْحَسَدِ بِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=105مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى قَوْلِهِ " ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " الْمُنْبِئِ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْحَسَدُ . فَلَمَّا بَيَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَرَادَ نَقْضَ تِلْكَ السَّفْسَطَةِ أَوِ الشُّبْهَةِ الَّتِي رَامُوا تَرْوِيجَهَا عَلَى النَّاسِ بِمَنْعِ النَّسْخِ . وَالْمَقْصِدُ الْأَصْلِيُّ مِنْ هَذَا هُوَ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَهُوَ
nindex.php?page=treesubj&link=22169_22189أَصْلُ النَّسْخِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ بَعْدَهَا وَيَطْرَأُ عَلَى بَعْضِ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ بِأَحْكَامٍ تُبْطِلُهَا مِنْ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ . وَلِكَوْنِ هَذَا هُوَ الْمَقْصِدَ الْأَصْلِيَّ عَدَلَ عَنْ مُخَاطَبَةِ
الْيَهُودِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " أَلَمْ تَعْلَمْ " وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=108أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ وَلِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ شَرِيعَةٍ . وَفِي هَذَا إِعْرَاضٌ عَنْ مُخَاطَبَةِ
الْيَهُودِ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الْمُسْلِمِينَ أَهَمُّ وَذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ الرَّدَّ عَلَى
الْيَهُودِ بِطَرِيقِ الْمُسَاوَاةِ لِأَنَّهُ إِذَا ظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لِمَصْلَحَةٍ تَظْهَرُ حِكْمَةُ تَغْيِيرِ بَعْضِ الشَّرَائِعِ .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لَهَاتِهِ الْآيَةِ سَبَبَ نُزُولٍ ، فَفِي الْكَشَّافِ وَالْمَعَالِمِ نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ
الْيَهُودُ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى
مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ ، وَفِي تَفْسِيرِ
الْقُرْطُبِيِّ أَنَّ
الْيَهُودَ طَعَنُوا فِي تَغْيِيرِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا إِنَّ
مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ ، فَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَلِذَلِكَ يُخَالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ ( نَنْسَخْ ) بِفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى وَفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ أَصْلُ مُضَارِعِ ( نَسَخَ ) ، وَقَرَأَهُ
ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ الْأُولَى وَكَسْرِ السِّينِ عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ أَنْسَخَ مَهْمُوزًا بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ أَيْ نَأْمُرُ بِنَسْخِ آيَةٍ . وَمَا شَرْطِيَّةٌ وَأَصْلُهَا الْمَوْصُولَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كَانَتِ اسْمًا لِلشَّرْطِ يَسْتَحِقُّ إِعْرَابَ الْمَفَاعِيلِ وَتُبَيَّنُ بِمَا يُفَسِّرُ إِبْهَامَهَا وَهِيَ أَيْضًا تُوجِبُ إِبْهَامًا فِي أَزْمَانِ الرَّبْطِ لِأَنَّ الرَّبْطَ وَهُوَ التَّعْلِيقُ لَمَّا نِيطَ بِمُبْهَمٍ صَارَ مُبْهَمًا فَلَا تَدُلُّ عَلَى زَمَنٍ مُعَيَّنٍ مِنْ أَزْمَانِ تَعْلِيقِ الْجَوَابِ عَلَى الشَّرْطِ وَرَبْطِهِ بِهِ .
و " مِنْ آيَةٍ " بَيَانٌ لِمَا . وَالْآيَةُ فِي الْأَصْلِ الدَّلِيلُ وَالشَّاهِدُ عَلَى أَمْرٍ . قَالَ
الْحَارْثُ بْنُ حِلِّزَةَ :
مَنْ لَنَا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ آيَا تٌ ثَلَاثٌ فِي كُلِّهِنَّ الْقَضَاءُ
[ ص: 656 ] وَوَزْنُهَا فِعَلَةٌ بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ عِنْدَ الْخَلِيلِ وَعَيْنُهَا يَاءٌ أَوْ وَاوٌ قُلِبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا آيِيُّ أَوْ آوِيُّ . ثُمَّ أُطْلِقَتِ الْآيَةُ عَلَى الْمُعْجِزَةِ لِأَنَّهَا دَلِيلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ، قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=17&ayano=59وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا وَتُطْلَقُ الْآيَةُ عَلَى الْقِطْعَةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مَوْعِظَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ إِطْلَاقٌ قُرْآنِيٌّ قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=16&ayano=101وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مِنْ مَعَانِي الْآيَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأَمَارَةَ الَّتِي يُعْطِيهَا الْمُرْسَلُ لِلرَّسُولِ لِيُصَدِّقَهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ وَكَانُوا إِذَا أَرْسَلُوا وِصَايَةً أَوْ خَبَرًا مَعَ رَسُولٍ أَرْفَقُوهُ بِأَمَارَةٍ يُسَمُّونَهَا آيَةً لَا سِيَّمَا الْأَسِيرُ إِذَا أُرْسِلَ إِلَى قَوْمِهِ بِرِسَالَةٍ كَمَا فَعَلَ نَاشِبٌ الْأَعْوَرُ حِينَ كَانَ أَسِيرًا فِي
بَنِي سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ بِلْعَنْبَرَ رِسَالَةً وَأَرَادَ تَحْذِيرَهُمْ بِمَا يُبَيِّتُهُ لَهُمْ أَعْدَاؤُهُمُ الَّذِينَ أَسَرُوهُ فَقَالَ لِلرَّسُولِ قُلْ لَهُمْ كَذَا بِآيَةِ مَا أَكَلْتُ مَعَكُمْ حَيْسًا . وَقَالَ
سُحَيْمٌ الْعَبْدُ :
أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهَ يَا فَتًى بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا
وَلِذَا أَيْضًا سَمَّوُا الرِّسَالَةَ آيَةً تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُجَاوِرِهِ عُرْفًا . وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ هَنَا حُكْمُ الْآيَةِ سَوَاءٌ أُزِيلَ لَفْظُهَا أَمْ أُبْقِيَ لَفْظُهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ حِكْمَةِ إِبْطَالِ الْأَحْكَامِ لَا إِزَالَةُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ .
وَالنَّسْخُ إِزَالَةُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ آخَرَ قَالَهُ
الرَّاغِبُ ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ صُورَةٍ أَوْ ذَاتٍ وَإِثْبَاتِ غَيْرِهَا عِوَضَهَا ، تَقُولُ : نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ لِأَنَّ شُعَاعَهَا أَزَالَ الظِّلَّ وَخَلَفَهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَنَسَخَ الظِّلُّ الشَّمْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ خَيَالَ الْجِسْمِ الَّذِي حَالَ بَيْنَ الْجِسْمِ الْمُسْتَنِيرِ وَبَيْنَ شُعَاعِ الشَّمْسِ الَّذِي أَنَارَهُ قَدْ خَلَفَ الشُّعَاعَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَيُقَالُ : نَسَخْتُ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ النَّحْلِ وَالْعَسَلِ إِلَى خَلِيَّةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْإِزَالَةِ فَقَطْ دُونَ تَعْوِيضٍ كَقَوْلِهِمْ نَسَخَتِ الرِّيحُ الْأَثَرَ ، وَعَلَى الْإِثْبَاتِ لَكِنْ عَلَى إِثْبَاتٍ خَاصٍّ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمُزِيلِ ، وَأَمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ فَلَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا فِي اللُّغَةِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ ظَاهِرُ كَلَامِ
الرَّاغِبِ ، وَجُعِلَ مِنْهُ قَوْلُهُمْ نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا خَطَطْتَ أَمْثَالَ حُرُوفِهِ فِي صَحِيفَتِكَ إِذْ وَجَدُوهُ إِثْبَاتًا مَحْضًا لَكِنَّ هَذَا تَوَهَّمٌ لِأَنَّ إِطْلَاقَ النَّسْخِ عَلَى مُحَاكَاةِ حُرُوفِ الْكِتَابِ إِطْلَاقٌ مَجَازِيٌّ بِالصُّورَةِ أَوْ تَمْثِيلِيَّةُ الْحَالَةِ بِحَالَةِ مَنْ يُزِيلُ الْحُرُوفَ مِنَ الْكِتَابِ الْأَصْلِيِّ إِلَى الْكِتَابِ الْمُنْتَسَخِ ثُمَّ جَاءَتْ مِنْ ذَلِكَ النُّسْخَةُ ، قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=45&ayano=29إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَقَالَ
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=154وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ
[ ص: 657 ] الْوَلَدُ نُسْخَةٌ مِنْ أَبِيهِ فَمَجَازٌ عَلَى مَجَازٍ . وَلَا يُطْلَقُ النَّسْخُ عَلَى الزَّوَالِ بِدُونِ إِزَالَةٍ ، فَلَا تَقُولُ : نَسَخَ اللَّيْلُ النَّهَارَ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ بَلْ هُوَ الظُّلْمَةُ الْأَصْلِيَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنِ انْعِدَامِ الْجَرْمِ الْمُنِيرِ .
nindex.php?page=treesubj&link=22169وَالْمُرَادُ مِنَ النَّسْخِ هُنَا الْإِزَالَةُ وَإِثْبَاتُ الْعِوَضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ فَخَرَجَ التَّشْرِيعُ الْمُسْتَأْنَفُ إِذْ لَيْسَ بِرَفْعٍ ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ رَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالشَّرْعِ الْمُسْتَأْنِفِ .
إِذِ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هِيَ الْبَقَاءُ عَلَى عَدَمِ التَّكْلِيفِ الَّذِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرْعِ بِحَيْثُ إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَتَعَرَّضُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى إِبَاحَةِ الْمُبَاحَاتِ إِلَّا فِي مَظِنَّةِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا أَوْ فِي مَوْضِعِ حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْوَاجِبَاتِ ، فَالْأَوَّلُ نَحْوَ قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=198لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي التِّجَارَةِ ، فِي الْحَجِّ ، حَيْثُ ظَنَّ الْمُسْلِمُونَ تَحْرِيمَ التِّجَارَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ ذِي الْمَجَازِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=24وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ بَعْدَ ذِكْرِ النِّسَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَوْلُهُ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ لِحَصْرِ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ فِي خُصُوصِ زَمَنِ النَّهَارِ . وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي التَّعْرِيفِ رَفْعُ الْحُكْمِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ كَانَ ثَابِتًا لَوْلَا رَفْعُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا زِيَادَةَ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَعْلُومِ دَوَامُهُ بِخِطَابٍ يَرْفَعُهُ لِيَخْرُجَ عَنْ تَعْرِيفِ النَّسْخِ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُغَيَّى بِغَايَةٍ عِنْدَ انْتِهَاءِ غَايَتِهِ ، وَرَفْعُ الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَمْرٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّكْرَارِ . وَحَيْثُ تَبَيَّنَتْ حِكْمَةُ نَسْخِ الْآيَاتِ عُلِمَ مِنْهُ حِكْمَةُ نَسْخِ الشَّرَائِعِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَهُوَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ وَأَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِسْلَامِ قَدْ نَسَخَ التَّوْرَاةَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ دَوَامَ التَّوْرَاةِ مَانِعٌ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالُوا : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَهُوَ أَحْوَالٌ : الْأَوَّلُ : مَجِيءُ شَرِيعَةٍ لِقَوْمٍ مَجِيئًا مُؤَقَّتًا لِمُدَّةِ حَيَاةِ الرَّسُولِ الْمُرْسَلِ بِهَا
[ ص: 658 ] فَإِذَا تُوُفِّيَ ارْتَفَعَتِ الشَّرِيعَةُ كَشَرِيعَةِ
نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَشَرِيعَةِ
يُوسُفَ وَشَرِيعَةِ
شُعَيْبٍ قَالَ تَعَالَى :
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=34وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=34إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا وَبَقِيَ النَّاسُ فِي فَتْرَةٍ وَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ الِاهْتِدَاءَ أَنْ يَتَّبِعَ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ أَوْ بَعْضَهَا كَمَا كَانُوا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَةَ
إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا جَاءَتْ شَرِيعَةٌ بَعْدَهَا فَلَيْسَتِ الثَّانِيَةُ بِنَاسِخَةٍ لِلْأُولَى فِي الْحَقِيقَةِ وَلَكِنَّهَا نَسْخٌ يُخَيَّرُ النَّاسُ فِي مُتَابَعَتِهَا الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ كَمَا كَانَتْ
عَبْسٌ مَثَلًا يَجُوزُ لَهَا اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ
إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ
خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ بِشَرِيعَتِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ اتِّبَاعُهُ . الثَّانِي : أَنْ تَجِيءَ شَرِيعَةٌ لِقَوْمٍ مَأْمُورِينَ بِالدَّوَامِ عَلَيْهَا كَشَرْعِ
مُوسَى ثُمَّ تَجِيءُ بَعْدَهَا شَرِيعَةٌ لَيْسَتْ رَافِعَةً لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِأَسْرِهَا وَلَكِنَّهَا تَرْفَعُ بَعْضَ أَحْكَامِهَا وَتُثَبِّتُ بَعْضًا كَشَرِيعَةِ
عِيسَى فَهَذِهِ شَرِيعَةٌ نَاسِخَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا تَنْسَخُ بَعْضًا وَتُفَسِّرُ بَعْضًا ،
فَالْمَسِيحُ رَسُولٌ نَسَخَ بَعْضَ التَّوْرَاةِ وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَى نَسْخِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَبَاقٍ عَلَى أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ فَهُوَ فِي مُعْظَمِهَا مُبَيِّنٌ وَمُذَكِّرٌ وَمُفَسِّرٌ كَمَنْ سَبَقَهُ مِنْ أَنْبِيَاءِ
بَنِي إِسْرَائِيلَ مِثْلِ
أَشْعِيَاءَ وَأَرْمِيَاءَ وَزَكْرِيَاءَ الْأَوَّلِ وَدَانْيَالَ وَأَضْرَابِهِمْ ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا النَّوْعُ نَسْخَ أَحْكَامِ شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا بِكَوْنِهِ بِوَاسِطَةِ رَسُولٍ ثَانٍ .
الثَّالِثُ : مَجِيءُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى بِحَيْثُ تُبْطِلُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى إِبْطَالًا عَامًّا بِحَيْثُ تُعَدُّ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ بَاطِلَةً سَوَاءً فِي ذَلِكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي نَصَّتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا بِشَيْءٍ يُخَالِفُ مَا فِي الْأُولَى أَمْ فِيمَا سَكَتَتِ الشَّرِيعَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ رَفَعَ الشَّرَائِعَ كُلَّهَا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَلَقَّى شَيْئًا مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ فِيمَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْإِسْلَامُ فِيهِ بِشَيْءٍ بَلْ يَأْخُذُ أَحْكَامَ ذَلِكَ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=27262شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ لَكِنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ نَاظِرٌ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=90فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَقَوْلُهُ " أَوْ نُنْسِهَا " قَرَأَهُ
نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ nindex.php?page=showalam&ids=15080وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَخَلَفٌ ( نُنْسِهَا ) بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءٍ . وَقَرَأَهُ
ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو ( نَنْسَأْهَا ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَبِسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ فَعَلَى قِرَاءَةِ تَرْكِ الْهَمْزِ فَهُوَ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ أَيْ نُنْسِ النَّاسَ إِيَّاهَا وَذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيءِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَرْكِ قِرَاءَتِهَا حَتَّى يَنْسَاهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الْهَمْزِ فَالْمَعْنَى أَوْ نُؤَخِّرُهَا أَيْ نُؤَخِّرُ تِلَاوَتَهَا أَوْ نُؤَخِّرُ الْعَمَلَ بِهَا وَالْمُرَادُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِقِرَاءَتِهَا أَوْ بِحُكْمِهَا
[ ص: 659 ] فَكُنِّيَ عَنْهُ بِالنَّسِئِ وَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ مُقَابِلٌ لِلنَّسْخِ وَهُوَ أَنْ لَا يُذَكِّرَ الرَّسُولُ النَّاسَ بِالْعَمَلِ بِحُكْمٍ مَشْرُوعٍ وَلَا يَأْمُرُ مَنْ يَتْرُكُهُ بِقَضَائِهِ حَتَّى يَنْسَى النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إِبْطَالًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَائِمًا لَمَا سَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ إِعَادَةِ الْأَمْرِ بِهِ وَلَمَا أُقِرَّ تَارِكُهُ عِنْدَ مُوجِبِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَمْ أَجِدْ لِهَذَا مِثَالًا فِي الْقُرْآنِ ، وَنَظِيرُهُ فِي السُّنَّةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341145لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ
nindex.php?page=showalam&ids=3أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِذَلِكَ كَانَ يَذْكُرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ مَالِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ . وَمَعْنَى النَّسْءِ مُشْعِرٌ بِتَأْخِيرٍ يَعْقُبُهُ إِبْرَامٌ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى بَقَاءُ الْحُكْمِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخٍ أَوْ بَقَاءُ الْآيَةِ مِنَ الْقُرْآنِ مُدَّةً غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ . أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ إِنْسَاءَ الْآيَةِ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ مَجِيئِهَا مَعَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ ، وَالِاحْتِمَالَاتُ الْمَفْرُوضَةُ فِي نَسْخِ حُكْمٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ تَتَأَتَّى فِي نَسْخِ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ وَإِنْسَائِهَا أَوْ نَسْئِهَا .
nindex.php?page=treesubj&link=28973_22189وَقَوْلُهُ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا جَوَابُ الشَّرْطِ وَجَعْلُهُ جَوَابًا مُشْعِرٌ بِأَنَّ هَذَيْنِ الْحَالَيْنِ وَهُمَا النَّسْخُ وَالْإِنْسَاءُ أَوِ النَّسْءُ لَا يُفَارِقَانِ حَالَيْنِ وَهُمَا الْإِتْيَانُ فِي وَقْتِ النَّسْخِ وَوَقْتِ الْإِنْسَاءِ بِشَيْءٍ هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسِيِّ أَوِ الْمَنْسُوءِ أَوْ مِثْلِهِ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْخِ هُوَ النَّاسِخُ مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ الْإِنْسَاءِ مِنَ النِّسْيَانِ هُوَ النَّاسِخُ أَيْضًا مِنْ شَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ هُوَ مَا يَجِيءُ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرُ نَاسِخٍ وَلَكِنَّهُ حُكْمٌ مُخَالِفٌ يَنْزِلُ بَعْدَ الْآخَرِ وَالْمَأْتِيُّ بِهِ مَعَ النَّسْءِ أَيِ التَّأْخِيرِ هُوَ مَا يُقَارِنُ الْحُكْمَ الْبَاقِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ النَّازِلَةِ فِي مُدَّةِ عَدَمِ النَّسْخِ .
وَقَدْ أَجْمَلْتُ جِهَةَ الْخَيْرِيَّةِ وَالْمِثْلِيَّةِ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ فَتَجِدُهُ مُرَادًا إِذِ الْخَيْرِيَّةُ تَكُونُ مِنْ حَيْثُ الِاشْتِمَالُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَصْلَحَةَ النَّاسِ ، أَوْ مَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَضَرَّةً ، أَوْ مَا فِيهِ جَلْبُ عَوَاقِبَ حَمِيدَةٍ ، أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ جَزِيلٌ ، أَوْ مَا فِيهِ رِفْقٌ بِالْمُكَلَّفِينَ وَرَحْمَةٌ بِهِمْ فِي مَوَاضِعِ الشِّدَّةِ وَإِنْ كَانَ حَمْلُهُمْ عَلَى الشِّدَّةِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَصْلَحَةً .
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ فِي حَالَاتِ
nindex.php?page=treesubj&link=22168النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ أَوِ النَّسْءِ هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْخَيْرِ وَالْمِثْلِ مَعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنْهُمَا لَا تَخْلُو مِنَ الِاشْتِمَالِ عَلَى الْخَيْرِ مِنْهَا أَوِ الْمِثْلِ لَهَا فَلِذَلِكَ جِيءَ بَأَوْ فِي قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا فَهِيَ مُفِيدَةٌ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مَعَ جَوَازِ الْجَمْعِ .
[ ص: 660 ] وَتَحْقِيقُ هَاتِهِ الصُّوَرِ بِأَيْدِيكُمْ ، وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ أَمْثَالًا تُرْشِدُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَتُغْنِي عَنِ الْبَقِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ الدَّرَجِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ فَنَقُولُ : ( 1 ) نَسْخُ شَرِيعَةٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا كَنَسْخِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِالْإِسْلَامِ . ( 2 ) نَسْخُ شَرِيعَةٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا كَنَسْخِ شَرِيعَةِ
هُودٍ بِشَرِيعَةِ
صَالِحٍ فَإِنَّ لِكُلٍّ فَائِدَةً مُمَاثِلَةً لِلْأُخْرَى فِي تَحْدِيدِ أَحْوَالِ أُمَّتَيْنِ مَتَقَارِبَتَيِ الْعَوَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ
فَهُودٌ نَهَاهُمْ أَنْ يَبْنُوا بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً يَعْبَثُونَ
وَصَالِحٌ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لِلنَّاقَةِ بِسُوءٍ . ( 3 ) نَسْخُ حُكْمٍ فِي شَرِيعَةٍ بِخَيْرٍ مِنْهُ مِثْلُ نَسْخِ كَرَاهَةِ الْخَمْرِ الثَّابِتَةِ بِقَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=219قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ بِتَحْرِيمِهَا بَتَاتًا فَهَذِهِ النَّاسِخَةُ خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَصْلَحَةِ دُونَ الرِّفْقِ ، وَقَدْ يَكُونُ النَّاسِخُ خَيْرًا فِي الرِّفْقِ كَنَسْخِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقُرْبَانِ النِّسَاءِ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْإِفْطَارِ عِنْدَ الْغُرُوبِ إِذَا نَامَ الصَّائِمُ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى بِقَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=187أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : مِنَ الْفَجْرِ قَالَ فِي الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيِّ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِنُزُولِهَا . ( 4 ) نَسْخُ حُكْمٍ فِي الشَّرِيعَةِ بِحُكْمٍ مِثْلِهِ كَنَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِتَعْيِينِ الْفَرَائِضِ وَالْكُلُّ نَافِعٌ لِلْكُلِّ فِي إِعْطَائِهِ مَالًا ، وَكَنَسْخِ فَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ مَعَ جَعْلِ ثَوَابِ الْخَمْسِينَ لِلْخَمْسِ فَقَدْ تَمَاثَلَتَا مِنْ جِهَةِ الثَّوَابِ ، وَكَنَسْخِ آيَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=184وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=185فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ إِلَى قَوْلِهِ
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=184وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ فَإِثْبَاتُ كَوْنِ الصَّوْمِ خَيْرًا مِنَ الْفِدْيَةِ . ( 5 ) إِنْسَاءٌ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ لِشَرِيعَةٍ مَعَ مَجِيءِ خَيْرٍ مِنْهَا ، تَأْخِيرُ ظُهُورِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي حِينِ الْإِتْيَانِ بِشَرَائِعَ سَبَقَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا هِيَ خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا وَالْعَصْرِ الَّذِي شُرِعَتْ فِيهِ فَإِنَّ الشَّرَائِعَ تَأْتِي لِلنَّاسِ بِمَا يُنَاسِبُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَتَهَيَّأَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ لِقَبُولِ الشَّرِيعَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ فَالْخَيْرِيَّةُ هُنَا بِبَعْضِ مَعَانِيهَا وَهِيَ نِسْبِيَّةٌ . ( 6 ) إِنْسَاءُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ مَجِيئِهَا مَعَ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وُقُوعَهُ بَعْدَ حِينٍ وَمَعَ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهَا كَتَأْخِيرِ شَرِيعَةِ
عِيسَى فِي وَقْتِ الْإِتْيَانِ بِشَرِيعَةِ
مُوسَى وَهِيَ خَيْرٌ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ الِاشْتِمَالِ عَلَى مُعْظَمِ الْمَصَالِحِ وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ . ( 7 ) إِنْسَاءٌ بِمَعْنَى تَأْخِيرِ الْحُكْمِ الْمُرَادِ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهُ كَتَأْخِيرِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَهُوَ مُرَادٌ مَعَ الْإِتْيَانِ بِكَرَاهَتِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ فَإِنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ خَيْرٌ مِنَ التَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ الرِّفْقِ بِالنَّاسِ فِي حَمْلِهِمْ عَلَى مُفَارَقَةِ شَيْءٍ افْتَتَنُوا بِمَحَبَّتِهِ . ( 8 ) إِنْسَاءُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى بَقَائِهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَيْ أَوْسَعُ وَأَعَمُّ مَصْلَحَةً وَأَكْثَرُ
[ ص: 661 ] ثَوَابًا لَكِنْ فِي أُمَّةٍ أُخْرَى أَوْ بِمِثْلِهَا كَذَلِكَ . ( 9 ) إِنْسَاءُ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى بَقَائِهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ مَعَ الْإِتْيَانِ بِخَيْرٍ مِنْهَا فِي بَابٍ آخَرَ أَيْ أَعَمُّ مَصْلَحَةً أَوْ بِمِثْلِهَا فِي بَابٍ آخَرَ أَيْ مِثْلِهَا مَصْلَحَةً أَوْ ثَوَابًا مِثْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فِي وَقْتِ الصَّلَوَاتِ وَيَنْزِلُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ تَحْرِيمُ الْبَيْعِ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ . ( 10 ) نِسْيَانُ شَرِيعَةٍ بِمَعْنَى اضْمِحْلَالُهَا كَشَرِيعَةِ
آدَمَ وَنُوحٍ مَعَ مَجِيءِ شَرِيعَةِ
مُوسَى وَهِيَ أَفْضَلُ وَأَوْسَعُ وَشَرِيعَةِ
إِدْرِيسَ مَثَلًا وَهِيَ مِثْلُ شَرِيعَةِ
نُوحٍ . ( 11 ) نِسْيَانُ حُكْمِ شَرِيعَةٍ مَعَ مَجِيءِ خَيْرٍ مِنْهُ أَوْ مِثْلِهِ ، كَانَ فِيمَا نَزَلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ، فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ ثُمَّ نُسِيَا مَعًا وَجَاءَتْ آيَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=23وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْكُلُّ مُتَمَاثِلٌ فِي إِثْبَاتِ الرَّضَاعَةِ وَلَا مَشَقَّةَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فِي رَضْعَةٍ أَوْ عَشْرٍ لِقُرْبِ الْمِقْدَارِ .
وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ النِّسْيَانِ التَّرْكُ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَرْجِعُ مَعْنَاهُ وَصُوَرُهُ إِلَى مَعْنَى وَصُوَرِ الْإِنْسَاءِ بِمَعْنَى التَّأْخِيرِ .
وَالْمَقْصِدُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا إِظْهَارُ مُنْتَهَى الْحِكْمَةِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَهُمُّهُمْ أَنْ تُنْسَخَ شَرِيعَةٌ بِشَرِيعَةٍ أَوْ حُكْمٌ فِي شَرِيعَةٍ بِحُكْمٍ آخَرَ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حِكْمَتِهِ وَلَا رُبُوبِيَّتِهِ لِأَنَّهُ مَا نَسَخَ شَرْعًا أَوْ حُكْمًا وَلَا تَرَكَهُ إِلَّا وَهُوَ قَدْ عَوَّضَ النَّاسَ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ مِنْهُ حِينَئِذٍ أَوْ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ وَالْحَالِ ، وَمَا أَخَّرَ حُكْمًا فِي زَمَنٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ عَوَّضَ النَّاسَ فِي إِبَّانِ تَأْخِيرِهِ مَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ ، وَذَلِكَ مَظْهَرُ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّهُ يَرُبُّ الْخَلْقَ وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ مَعَ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالرَّحْمَةِ ، وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَاحِدٌ وَهُوَ حِفْظُ نِظَامِ الْعَالَمِ وَضَبْطُ تَصَرُّفِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَعْصِمُ أَحْوَالَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَالِ بِحَسَبِ الْعُصُورِ وَالْأُمَمِ وَالْأَحْوَالِ إِلَى أَنْ جَاءَ بِالشَّرِيعَةِ الْخَاتِمَةِ وَهِيَ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ النَّاسِ وَلِذَلِكَ قَالَ
nindex.php?page=tafseer&surano=3&ayano=19إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَقَالَ أَيْضًا
nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=13شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا الْآيَةَ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِخَيْرٍ أَوْ بِمِثْلٍ رَاجِعٌ إِلَى كُلٍّ مِنَ النَّسْخِ وَالْإِنْسَاءِ فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِخَيْرٍ مِنَ الْمَنْسُوخَةِ أَوِ الْمُنْسَاةِ أَوْ بِمِثْلِهَا وَلَيْسَ الْكَلَامُ مِنَ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ . فَقَوْلُهُ تَعَالَى (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) هُوَ إِمَّا إِتْيَانُ تَعْوِيضٍ أَوْ إِتْيَانُ تَعْزِيزٍ . وَتَوْزِيعُ هَذَا
[ ص: 662 ] الضَّابِطِ عَلَى الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ غَيْرُ عَزِيزٍ . وَالْمَعْنَى إِنَّا لَمْ نَتْرُكِ الْخَلْقَ فِي وَقْتٍ سُدًى . وَأَنْ لَيْسَ فِي النَّسْخِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْهُ الْبَدَا .
وَفِي الْآيَةِ إِيجَازٌ بَدِيعٌ فِي التَّقْسِيمِ قَدْ جَمَعَ هَاتِهِ الصُّوَرَ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا وَصُوَرًا تَنْشَقُّ مِنْهَا لَا أَسْأَلُكُمُوهَا لِأَنَّهُ مَا فُرِضَتْ مِنْهَا صُورَةٌ بَعْدَ هَذَا إِلَّا عَرَفْتُمُوهَا .
وَمِمَّا يَقِفُ مِنْهُ الشَّعْرُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ النَّظَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى " نُنْسِهَا " أَنَّهُ إِنْسَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ لِلْآيَةِ أَوْ لِلسُّورَةِ ، أَيْ إِذْهَابُهَا عَنْ قُلُوبِهِمْ أَوْ إِنْسَاؤُهُ النَّبِيءَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا فَيَكُونُ نِسْيَانُ النَّاسِ كُلِّهِمْ لَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلًا عَلَى النَّسْخِ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثٍ أَخْرَجَهُ
nindex.php?page=showalam&ids=14687الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى
nindex.php?page=showalam&ids=12ابْنِ عُمَرَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=10341146قَالَ قَرَأَ رَجُلَانِ سُورَةً أَقْرَأَهُمَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَا ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّيَانِ فَلَمْ يَقْدِرَا مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ فَغَدَيَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُمَا : إِنَّهَا مِمَّا نُسِخَ وَأُنْسِيَ فَالْهُوَا عَنْهَا . قَالَ
ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْحَدِيثُ فِي سَنَدِهِ
سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ
ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ أَغْرَبَ بِهِ
nindex.php?page=showalam&ids=14687الطَّبَرَانِيُّ وَكَيْفَ خَفَى مِثْلُهُ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ نِسْيَانَ النَّبِيءِ مَا أَرَادَ اللَّهُ نَسْخَهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُثْبِتَهُ قُرْآنًا جَائِزٌ ، أَيْ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ فَأَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ آفَةٌ فِي الْبَشَرِ فَالنَّبِيءُ مَعْصُومٌ عَنْهُ قَبْلَ التَّبْلِيغِ ، وَأَمَّا بَعْدَ التَّبْلِيغِ وَحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فَجَائِزٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ أَسْقَطَ آيَةً مِنْ سُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ
لِأُبَيٍّ لِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي ؟ قَالَ : حَسِبْتُ أَنَّهَا رُفِعَتْ ، قَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا اهـ . وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ النِّسْيَانَ الْعَارِضَ الَّذِي يُتَذَكَّرُ بَعْدَهُ جَائِزٌ وَلَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ لِمُنَافَاتِهِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=106نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) وَأَمَّا النِّسْيَانُ الْمُسْتَمِرُّ لِلْقُرْآنِ فَأَحْسَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=6سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=87&ayano=7إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ) هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْسِعَةِ فِي الْوَعْدِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْلَى .
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ
مُسْلِمٍ عَنْ
أَنَسٍ قَالَ : كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ بِبَرَاءَةٌ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا وَمَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ اهـ . فَهُوَ غَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ أَنْ هُنَالِكَ سُورَةً نُسِخَتْ قِرَاءَتُهَا وَأَحْكَامُهَا ، وَنِسْيَانُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا نُسِخَ لَفْظُهُ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ عَجِيبٍ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ اهـ .
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ النَّسْخَ وَاقِعٌ وَقَدِ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ عَلَى
nindex.php?page=treesubj&link=22177جَوَازِ النَّسْخِ وَوُقُوعِهِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا
أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ فَقِيلَ إِنَّ خِلَافَهُ لَفْظِيٌّ وَتَفْصِيلُ
[ ص: 663 ] الْأَدِلَّةِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ . وَقَدْ قَسَّمُوا
nindex.php?page=treesubj&link=22209نَسْخَ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ وَمَدْلُولَاتِهَا إِلَى أَقْسَامٍ : نَسْخُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا وَهُوَ الْأَصْلُ وَمَثَّلُوهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ
أَبِي بَكْرٍ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ [ لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ ] . وَنَسْخُ الْحُكْمِ وَبَقَاءُ التِّلَاوَةِ وَهَذَا وَاقِعٌ لِأَنَّ إِبْقَاءَ التِّلَاوَةِ يُقْصَدُ مِنْهُ بَقَاءُ الْإِعْجَازِ بِبَلَاغَةِ الْآيَةِ ، وَمِثَالُهُ آيَةُ
nindex.php?page=tafseer&surano=8&ayano=65إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ . وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ وَبَقَاءُ الْحُكْمِ وَمَثَّلُوهُ بِمَا رُوِيَ عَنْ
عُمَرَ كَانَ فِيمَا يُتْلَى : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي نَسْخِ التِّلَاوَةِ وَبَقَاءِ الْحُكْمِ وَقَدْ تَأَوَّلُوا قَوْلَ
عُمَرَ كَانَ فِيمَا يُتْلَى أَنَّهُ كَانَ يُتْلَى بَيْنَ النَّاسِ تَشْهِيرًا بِحُكْمِهِ .
وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَى أَنَّ الْآيَةَ إِذَا نُسِخَ حُكْمُهَا لَا تَبْقَى كِتَابَتُهَا فِي الْمُصْحَفِ فَفِي
nindex.php?page=showalam&ids=12070الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ قَالَ
ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ
لِعُثْمَانَ nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=240وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ .