الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مفاهيم رمضانية

مفاهيم رمضانية

مفاهيم رمضانية

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه وتابعيهم، وسلَّم تسليماً كثيراً.

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه فهي وصية الله للأولين والآخرين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النساء:131) فلا وصية أعظيم، ولا تذكير أبلغ من تقواه سبحانه، فاتقوه وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} (طه:132).

أيها المسلمون: في شهر رمضان تتجلى أسرار خوالد، وتترادف حلقات حِكَم بواهِر، يضيء بعضُها على بعض، بحيث لا يُمَل كثرةُ الحديث عنها، فلا تخْلَق جِدَّتُه، ولا يَبْلى ترجيعُه، ولا تُسْأَمُ سيرتُه، بل قد يحلو إذا أُعيد وتكرر، كما يحلو مذاق الشهد عند تكريره.

ولأجل ذا -عباد الله- ما برحت النفوس المسلمة تشرئب لمثل هذه الإطلالة السنوية، والتي تعم المدر والوبر ما عم الأجدَّان: الليل والنهار.

عباد الله: فلا غروَ إذن حين نسلط الضوء ولو قليلاً على ما نصحح به بعض مفاهيمنا أو رتابتنا مع شهر رمضان، وما نحيي به ما تراكم عليه غبار النسيان في النفوس، حين يتخذ كثير من الناس في هذا الشهر صورة تقليدية تحكمها حركة العادة، لا روح العبادة.

ففي هذا الشهر تُشَدُّ النفوسُ إلى الدين والتديُّن، يذكرهم هذا الشهر بحق الله تعالى عليهم، تُشَمُّ رائحة التديُّن في أكثر من مجلس يُجلس فيه، يُحَث بإقبال الناس على العبادة والعمل الصالح، حتى إنهم يرفعون بذلك درجة الاستعداد لتغيير ما في النفوس، حتى يغير الله ما بهم: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11).

معاشر المؤمنين: يشعر الكثيرون في هذا الشهر المبارك بضرورة هذا الدين لهم، كضرورة الماء والهواء، وأن كل أمة تهمل أمر دينها، وتعطل كلمة الله في مجتمعها، فإنما تهمل أعظم طاقاتها، وتعطل أسباب فلاحها في الدنيا والآخرة.

وكل أمة يُفْقَد التدين في مجتمعها، فلا جرم أن أمورها تضطرب، ويموج بعضُها في بعض، فيقلب الله عزها ذلًّا، وأمنها خوفاً، وإحكامها فوضى.

عباد الله: في شهر رمضان ترتفع معايير القوة لدى المرء المسلم؛ بحيث يصعب اهتزازه، إذا هو أحسن الإعداد فيه، وأدرك سراً عظيماً من أسرار هذا الشهر، قد تمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شهر رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النيران، وصُفِّدت الشياطين) متفق عليه.

يقول ابن القيم معلقاً على هذا الحديث: "لأن في الصوم تضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب".

فالخشية إذن كل الخشية على أنفسٍ مسلمة لم تجعل للشيطان حساباً في واقعها، وباتت غير آبهة بمكره وألاعيبه، هو وجندُه من الجن والإنس: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} (الأنعام:121).

معاشر المسلمين: إنه مما لا شك فيه أن النفوس المسلمة قد تكون معترفة بقابليتها لألاعيب الشيطان ومكره؛ لكونها غير معصومة؛ إلا أن بعض هذه النفوس قد اعتقد أهلها أنهم محميون ضد آثاره وإفساده، بعد أن كوَّنوا حولهم هالة زائفة من الاطمئنان لأحوالهم وأوضاعهم الرتيبة، مع الاكتفاء بظواهر طفيفة من الإسلام، حتى أمسوا وكأن ما يحملونه هو الإسلام فحسب، مما يحرمهم ولا شك من إصلاح أخطائهم من جهة، ومن الاستفادة من الصواب الذي يأتي من جهة أخرى.

وهذا هو الشلل الأخلاقي بقضه وقضيضه، وهو الارتضاع من ثدي الهوى بعد الفطام، مع أن الرضاع إنما هو للطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، والذين يتضورون على مرارة الفطام.

فلا جرم عباد الله! إذ الهوى مكايد، وكم من صنديد في غبار الحق اغتيل! كيـف لا ورسـول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)؟! متفق عليه.

إن الشعور الدائم بالتقصير هو الشعور الإيجابي المثمر الذي يدفع للعمل الآني واليومي، كما أن الشعور بالكمال العقيم شعور عاطفي، لن ينفيَ عن كل مسلم مسؤوليته أمام الله عن أي سوء في أمره: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه} (النساء:123).

أيها المسلمون: كثيرون هم الذين يتحدثون من على منابر متنوعة عن شهر رمضان، وأنه شهر البطولات، وهذا أمر لا مراء فيه ولا جدال، غير أن الذي يجب تأكيده والثبات عليه هو أن البطولات والأمجاد لا تنال بمجرد التمني والتخييل؛ في حين أن القلب غافل لاهٍ.

ألا إن للبطولات والأمجاد ثمناً يندر تحصيله والوقوف عليه؛ لأن سلعة الله غالية: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} (التوبة:111).

إن هذه السلعة هي الرابط الأساس بين المؤمنين وبين نصر الله لهم، وإنهم كلما كانوا إلى تحصيل هذه السلعة أقرب، كان النصر إليهم أقرب، والعكس بالعكس، ولا أدَلَّ على ذلك من قوله تعالى عن غزوة أحد حين ذاق فيها المسلمون أول هزيمة لهم في أوج تكوينهم: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (آل عمران:152).

إلا أن للنصر شروطاً، منها: نبذ المعاصي، والنأي بالنفس عن أن تواقعها أو تتراءى لها؛ ولا أدل على أثرها في الخذلان والهزيمة أمام العدو من قول ابن مسعود رضي الله عنه عن هزيمة أُحد: "فلو حلفتُ يومئذٍ رجوتُ أن أبَر، أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} (آل عمران:152).

معاشر المؤمنين: إن طريق المسلمين إلى النصر هو في سلوك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما أحيا ليله في بدر، وهو قائم يصلي، يناشد ربه ويناجيه؛ ليتأكد من خلال هذا عِظَم شأن الصلاة واللجوء إلى الله في كشف الملمات ورفع النوازل، فقد جاء في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر صلَّى) رواه أبو داود.

عباد الله: في شهر رمضان يلوح عبر الأجواء المطمئنة خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين الذي هو مفتاح القبول لدى القلوب، والذي يضع الحياة الهانئة محل الجاهلية الجهلاء والأثرة العمياء، فيرهُف الطبع، وتَجِمُ فيه النفس؛ إذ هذا هو الدواء إذا استشرى الداء، وهو النصرة حين تُخْذَل القوة.

معاشر المسلمين: إن الأمة المسلمة يوم يكون مالها أداة ترف ومصدر استعلاء وطغيان، ويوم يكون الأغنياء وذوو اليسار أحلاس شح وبخل، فالويل والخسران لأمة أورثها مالهُا هذه الحال.

الجمع بين الصيام والصدقة موجب من موجبات الجنة؛ ففي الحديث: (إن في الجنة غرفاً يُرى ظهورُها من بطونها، وبطونُها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيَّب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلَّى والناس نيام) رواه الترمذي.

إن من القسوة أن يمنع الواجد المعونة، وأن يتقلب في رغد من العيش وسعة من الرزق، ومن أتت عليهم صروف الحياة في شدة من الضيق وألم من الإعسار، ومن هذه حاله فلا جرم أنه قاسي القلب خالٍ من الشفقة، وكأنما قُدَّ قلبُه من صخر صلب، فهو بعيد من رحمة الله: {إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:56).

فرحم الله عبداً كسب فتطهر، واقتصد فاعتدل، ورُزِق فأنفق، وذكر ربه، ولم ينس نصيبه من الدنيا، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، ويا خيبة من طغى عليه ماله، وأضاع دينه وكرامته، فضلَّ وطغى أن رآه استغنى!! وكان من الذين قال الله فيهم: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً} (الجمعة:11).

وليعلم الجميع أن العزة في الإسلام بإنفاق المال لا بإمساكه، وفي بذل الحياة لا في الحرص عليها، وفي اعتبار الغني ما يعمل بماله، لا ما يجمع منه؛ وبهذا كله غلب أهل الإسلام الأمم، لأنهم قبل ذلك غلبوا النفوس والشهوات.

أقول ما سمعتم...وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الواحد الأحد، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

عباد الله: عليكم بتقوى الله في السر والعلن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102).

معاشر المؤمنين: حسن العبادة ووفرة الطمأنينة الناتجة عن الذكر والتذكير والمدارسة في هذا الشهر المبارك تبدو واضحة جلية في استشعار عظمة هذا الشهر والإحساس بحرمته وهيبته، والبُعد عن المنغصات والملهيات التي تفسد على المرء دينه، أو تشوش عليه عبادته، أو تخلق له جواً من المتضادات اللامسؤولة، فكما أن للشهر مرغبات وحوافز، فإن هناك مزعجات ومنغصات، ينبغي أن يزِمَّ المسلمون نفوسهم عنها.

فمن ذلكم ما يُشاهَد من حركة نشطة واستنفار مثير للدهشة في برامج مرئية، تفتقد إلى الهدف المنشود من خلال عرض ما يخدش الحياء أو ينشر الإثم، مما يحلق الدين قبل حلق العفاف والحياء.

وكأن معدِّي تلك المشاهد قد رأوا الأمة في حالة من المحاصرة عن الترويح بحلول هذا الشهر المبارك، أو أنهم على شفا جرف هلكة، لا يتم الإيناس فيها والتعويض عن الصوم والإمساك فيها عما يغضب الله إلا بمثل ذلك، وليس مثل هذا حقيقٌ برمضان!

ألا وصلُّوا على نبيكم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة