الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فضل شهر رمضان وإقبال الناس عليه

فضل شهر رمضان وإقبال الناس عليه

فضل شهر رمضان وإقبال الناس عليه

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي جعل في تعاقب الشهور والأيام عبرة للمعتبرين، وفي توالي مواسم الطاعات رحمة بالمؤمنين. الحمد لله الذي من علينا بإدراك الأزمان الفاضلة، وخصنا بشريعة سمحة كاملة. الحمد لله الذي جعل شهر رمضان سيد الشهور، وضاعف فيه الأجور، وأنزل فيه النور، وفتح فيه أبواب الجنان، وأغلق فيه أبواب النيران.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الغني عن عبادة العابدين، والمنعم على الشاكرين، الذي قال في كتابه المبين: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].

أما بعد:

عباد الله: هذا شهر رمضان قد حل بساحتكم، نزل ضيفا كريما على دياركم. إنه شهر الله الذي جعل صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا. شهر هو عند الله عظيم القدر، جليل المكانة، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم الخير كله.

إنه شهر الأرباح الكبرى، والتجارة التي لا تبور، فيه تغسل القلوب من أدرانها، وتزكى النفوس من رذائلها. هو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة والإحسان ونيل رضا الرحمن.

معاشر المؤمنين: أظلنا شهر الصيام، شهر تمحى فيه الذنوب، وتحيا فيه القلوب، وتحلو فيه تلاوة الكتاب، شهر تملأ فيه المساجد، ويخشع فيه الراكع والساجد، وينهض فيه أهل الخيرات، شهر التراويح، والتسابيح، تعطل فيه المنكرات، وتهجر الآثام، تغل فيه الشياطين، ويعرف قدر الدين، فيه يخلص التائبون، ويكثر المحسنون، في هذا الشهر تفتح الجنان، وتغلق النيران، ويتنزل الغفران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

عباد الله: اسمعوا ماذا ينادي المناد في رمضان في كل ليلة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: ‌يا ‌باغي ‌الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) رواه الترمذي.

فأين من يقبل على الخيرات، ويجتهد في عمل الطاعات والصالحات، ويستغل الأوقات الفاضلات، ويبتعد عن المعاصي والمنكرات، ويغلق باب الشرور والآفات، ويتعرض لعتق الله من النار والنفحات الطيبات في شهر الخيرات.

قد نصب الله تعالى لكم منادياً يناديكم، فأجيبوا داعي الله، وأقبلوا على مولاكم الكريم سبحانه، وتعرضوا لخيره وفضله ما دام في العمر بقية، وقد تفضل علينا بإدراك هذا الشهر الفضيل.

معاشر المؤمنين: لقد بشر الله الصائمين بالأجر العميم، فقال سبحانه: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]. وفي الحديث القدسي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله: (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي ‌وأنا ‌أجزي ‌به) متفق عليه.

واستمعوا للبشارة للصائمين في النداء النبوي عن سهل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة بابا ‌يقال ‌له ‌الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلن يدخل منه أحد) متفق عليه.

فيا بشرى الصائمين وهم يدخلون الجنة من باب الريان، والملائكة تناديهم: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 34، 35].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: وهذه توجيهات وبشارات للمقبلين على رمضان وصيامه والعمل الصالح فيه:

إن الصوم معلق برؤية الهلال بدءاً وختاماً، عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (‌صوموا ‌لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمي، عليكم فأكملوا العدد) متفق عليه.

وللصائمين المحققين لحقيقة الصوم الذي يريده الله تعالى جزاء عظيم عند ربهم يوم القيامة، ومضاعفة للحسنات: عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عز وجل: ‌إلا ‌الصوم ‌فإنه ‌لي، وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي) رواه مسلم.

وبشارة للصائمين بالفرح بصومهم: كما في الحديث: (للصائم فرحتان؛ فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه) متفق عليه.

فرحة عند فطره: هي فرحة عاجلة في الدنيا عند إتمام الصيام، بسبب إباحة ما مُنع منه من طعام وشراب، وفرحة النفس بإتمام العبادة، كما أن الله يحب أن يبادر الصائم إلى فطره.

وفرحة عند لقاء ربه: هي فرحة بالجزاء الأوفى في الآخرة، حين يجد ثواب صومه كاملاً عند الله، وينال الدرجات العلى في الجنة، ويدخل من باب الريان الذي لا يدخله إلا الصائمون، وهي فرحة أعظم وأبقى.

ويصبح كل ما في الصائم طيباً مطيباً، كما في الحديث: (ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك) متفق عليه.

يهيئ الله سبحانه كل الأسباب للصائمين حتى يقبلوا على العبادات في رمضان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين) متفق عليه.

فالحذر الحذر من الوقوع فيما يغضب الله سبحانه من المنكرات والمعاصي حتى لا يفوت على العبد أجر صيامه وعمله الصالح في رمضان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌لم ‌يدع ‌قول ‌الزور ‌والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كم من ‌صائم ‌ليس ‌له ‌من ‌صيامه إلا الجوع، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر) رواه أحمد.

أيها الصائم: عليك بالمحافظة على صومك من كل ما يؤذيه أو يقلل أجره ويضعفه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان يوم ‌صوم ‌أحدكم، ‌فلا ‌يرفث يومئذ، ولا يسخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم) متفق عليه.

عباد الله: وفي ختام رحلة الصيام في الدنيا والانتقال إلى الآخرة يأتي نداءٌ إلى المؤمنين الصائمين من أعماق الجنة ينادي به الله وملائكته: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24]. قال المفسرون: "الأيام الخالية أيام الصائمين وأيام القائمين في دنيا العابدين".

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة