الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورًا، وقدَّر الأزمنة والفصول بحكمته، وجعل في تعاقبها آياتٍ لأولي الألباب، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من عبد ربه في جميع أحواله، وأكمل الخلق شكرًا لنعمه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: إن من أجلِّ العبادات التفكر في آيات الله الكونية، فإنها تزيد الإيمان، وتوقظ القلوب، وتعرِّف العبد بعظمة ربه، قال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191]، وإن من أعظم هذه الآيات تعاقب الأيام والشهور والفصول.
وفصل الشتاء واحدٌ منها؛ بما يحمله من بردٍ، ومطرٍ، ورياحٍ، وسحابٍ، ورعدٍ وبرقٍ، وكل ذلك يجري بأمر الله وتقديره، لا يتقدم ولا يتأخر عن ميعاده، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48].
والمؤمن الصادق لا ينظر إلى الشتاء على أنه مجرد تغيرٍ في درجات الحرارة، أو انتقالٍ من فصلٍ إلى فصل، وإنما يراه رسالةً من رسائل الله إلى عباده، يذكِّرهم بها بقدرته، ورحمته، وشدة بأسه، فيزداد يقينًا بربه، وتعظيمًا له، وخوفًا منه، ورجاءً فيما عنده.
ولقد امتن الله على عباده بما جعل لهم من أسباب الوقاية من الحر والبرد، فقال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81].
وإذا كان الناس يفرحون بما يجدونه من الدفء في بيوتهم، والكسوة على أجسادهم، والطعام بين أيديهم، فليتذكروا إخوانًا لهم لا يجدون ما يقيهم قسوة الشتاء، ولا ما يدفع عن أطفالهم لسعات البرد، فيحمدوا الله على نعمته، ويؤدوا حقها بالشكر والإنفاق والإحسان.
أيها المسلمون: لقد كان السلف رحمهم الله إذا تقلبت الفصول ازدادوا عبادةً لله؛ لأنهم يعلمون أن الأيام خزائن الأعمال، وأن السعيد من ملأ صحيفته بما يرضي الله، والشقي من ضيع مواسم الطاعات في اللهو والغفلة. قال بعض السلف: "كل يومٍ يمر على ابن آدم يقول له: أنا يومٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة".
عباد الله: ومن تأمل هدي النبي ﷺ وهدي أصحابه رضي الله عنهم وجد أنهم كانوا ينظرون إلى الشتاء بعين الاغتنام، لا بعين التبرم والكسل؛ لأنه موسمٌ تجتمع فيه أسباب الخير، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الشتاء غنيمة العابدين". وقال الحسن البصري رحمه الله: "نِعم زمان المؤمن الشتاء؛ ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه".
فهؤلاء القوم علموا أن الأعمار قصيرة، وأن الأيام خزائن الأعمال، فلم يجعلوا تغير الفصول سببًا للفتور، بل جعلوه باعثًا على مزيدٍ من الطاعة والقرب من الله تعالى.
وسمي الشتاء غنيمةً؛ لأن المسلم ينال فيه أجرًا عظيمًا مع قلة المشقة، فالنهار قصير، والجو بارد، والعطش أقل، فيسهل على المسلم أن يصوم تطوعًا؛ كصيام الاثنين والخميس، أو الأيام البيض، أو غيرها من أيام التطوع.
وكذلك يطول الليل، فيجد المؤمن فيه متسعًا لقيام الليل، وتلاوة القرآن، والدعاء، والاستغفار، وقد قال تعالى في وصف عباده الصالحين: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18]، وقال سبحانه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16].
فكم من قائمٍ في ظلمة الليل، والناس نيام، يناجي ربه بدموعٍ صادقة، فيغفر الله له ذنبه، ويشرح صدره، ويبارك له في عمره وأهله وماله. وإن المؤمن الكيس هو الذي يحول ليالي الشتاء الطويلة إلى مجالس أنسٍ بالله، لا إلى سهرٍ على اللهو والغفلة، أو متابعة ما لا ينفع من القنوات ووسائل التواصل، فإن العمر رأس مال العبد، والسعيد من اغتنم أوقاته فيما يقربه من ربه.
أيها المسلمون: ومن نعم الله العظيمة في فصل الشتاء نعمة المطر، فهو سبب حياة الأرض، وسبب إنبات الزروع، وسقي العباد والبهائم، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]. وكان رسول الله ﷺ إذا رأى المطر قال: (اللهم صيبًا نافعًا) رواه البخاري، وإذا اشتد المطر قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر) متفق عليه، وإذا نزل المطر كشف شيئًا من ثوبه ليصيبه المطر، وقال: (إنه حديث عهد بربه) رواه مسلم.
وهذا من كمال شكره ﷺ لنعمة الله، ومن تعليمه أمته أن تنسب النعم إلى المنعم سبحانه، لا إلى الأنواء والنجوم والأسباب المجردة، فإن نزول الغيث بيد الله وحده، قال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 69]. فليحذر المسلم من الألفاظ المخالفة للعقيدة، ولينسب النعمة إلى الله، وليكثر من حمده وشكره.
ومن السنن كذلك اغتنام وقت نزول المطر بالدعاء؛ لأنه من مواطن رجاء الإجابة، وقد كان السلف يفرحون بالغيث، ويرون فيه رحمةً من الله، لا مجرد ظاهرة طبيعية، فإذا نزل المطر خرجوا يحمدون الله، ويذكرونه، ويستبشرون برحمته، ويستغفرونه، فإن القلوب تحيا كما تحيا الأرض بالمطر.
معاشر المؤمنين: ومن رحمة الله بعباده أن شرع لهم في الشتاء رخصًا ترفع عنهم المشقة، فإن دين الإسلام دين اليسر، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
فمن ذلك مشروعية المسح على الخفين والجوارب لمن لبسهما على طهارة، وهي سنة متواترة عن رسول الله ﷺ، وفيها تيسير على الناس، ولا سيما في أيام البرد. ومن ذلك أيضًا الرخصة في الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر الذي تلحق به المشقة، على ما قرره أهل العلم، وكذلك من السنة أن يقول المؤذن في الليلة الباردة أو المطيرة: (ألا صلوا في رحالكم)، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، رفعًا للحرج، ورحمةً بالناس.
لكن هذه الرخص لا ينبغي أن تكون سببًا للتوسع بغير حاجة، أو للتهاون في صلاة الجماعة، فإن المؤمن يوازن بين الأخذ بالرخصة عند الحاجة، والمحافظة على شعائر الله، فلا يتساهل في أمر دينه، ولا يشدد على نفسه بما لم يأذن به الله.
كما ينبغي للمسلم أن يتفقه في أحكام الطهارة في الشتاء، فلا يترك الوضوء بحجة البرد، ولا يتيمم مع القدرة على استعمال الماء، بل يسخن الماء إذا احتاج إلى ذلك، فإن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]. وقد قال رسول الله ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟... إسباغ الوضوء على المكاره...) رواه مسلم، فكان الوضوء في شدة البرد مع الاحتساب من أسباب تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وعظيم الأجور.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن المؤمن الحق هو الذي يجعل من كل نعمةٍ سبيلًا إلى شكر الله، ومن كل حادثةٍ بابًا للاعتبار، ومن كل فصلٍ من فصول السنة مزرعةً للآخرة، فإن الأيام تمضي سريعًا، والأعمار تنقضي، والسعيد من وفقه الله لاستغلالها فيما يقربه إليه.
أما بعد:
أيها المسلمون: ومن أعظم ما ينبغي أن يستحضره المسلم في أيام البرد ما أخبر به النبي ﷺ في قوله: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين؛ نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سمومها) متفق عليه.
فإذا كان الناس يفرون من برد الدنيا إلى المدافئ والملابس والأغطية، فأين يفر أهل المعاصي من زمهرير جهنم؟! وإذا كان العبد لا يصبر على برد ساعةٍ أو ساعات، فكيف يصبر على عذابٍ لا يعلم شدته إلا الله؟! وإن هذه المعاني تزيد المؤمن خوفًا من الله، وإقبالًا على التوبة، وإلحاحًا في الدعاء أن يعيذه الله من النار، وأن يجعله من أهل الجنة، التي لا حر فيها ولا زمهرير، قال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13].
معاشر المؤمنين: ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى ربه في هذا الفصل الإحسان إلى عباد الله، فإن في الناس من يقضي ليالي الشتاء القارسة وهو لا يجد ما يتدفأ به، ولا ما يستر به أطفاله، وربما افترش الأرض والتحف السماء، ينتظر فرجًا من الله ثم من أهل الإحسان. وقد قال سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة: 110].
وقال رسول الله ﷺ: (من نفَّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة)، (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم.
فابحثوا عن الأسر المتعففة، والأرامل، والأيتام، وكبار السن، والعمال الذين يكدحون في البرد، وأدوا إليهم حقهم من الإحسان، وشاركوهم دفء الشتاء كما تشاركونهم دعاءكم، فإن الصدقة في أوقات الحاجة أعظم أجرًا، وأبلغ أثرًا، وأدعى لقبولها عند الله عز وجل.
وكذلك احذروا أسباب الحوادث التي تتكرر في كل شتاء بسبب سوء استعمال وسائل التدفئة، أو تركها مشتعلة حال النوم، أو إهمال وسائل السلامة، فإن حفظ النفس من مقاصد الشريعة العظمى، وقد قال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وقال جل شأنه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]. وإن الأخذ بأسباب السلامة لا ينافي التوكل على الله، بل هو من تمام التوكل وحسن الامتثال.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المقالات

