الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نزول المطر أحكامٌ وعبرٌ

نزول المطر أحكامٌ وعبرٌ

نزول المطر أحكامٌ وعبرٌ

الخطبة الأولى

الحمد لله الكريم المنان، واسع الفضل والإحسان، الذي جعل الماء أصل الحياة، وأنزل من السماء ماءً طهورًا، فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج به الزرع والثمار، وجعل فيه حياة العباد والبلاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده خزائن السموات والأرض، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28]، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، الداعي إلى الهدى، والمرشد إلى أسباب الرحمة، والمبين لأحكام الشريعة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن من أجلِّ نعم الله تعالى على عباده نعمة المطر، فهو سرُّ الحياة، وسببُ عمران الأرض، ومظهرٌ من مظاهر رحمة الله الواسعة، وقد أكثر القرآن الكريم من تذكير الناس بهذه النعمة؛ لأنها تمس حياتهم في كل يوم، وتوقظ قلوبهم إلى قدرة ربهم، فقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28]، فوصف سبحانه الغيث بأنه رحمة، إذ به تحيا الأرض بعد جدبها، وتحيا القلوب إذا استحضرت فضل الله عليها، وتنتعش حياة الناس والأنعام والزروع والثمار.

ولذلك كان نزول المطر في ميزان المؤمن أعظم من كونه ظاهرة طبيعية؛ إنه دليل على رحمة الله، وتجدد فضله، وامتداد إحسانه، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48]. فما أجمل هذا التصوير القرآني الذي يجعل المؤمن يراقب تشكل السحاب، وهبوب الرياح، ونزول القطر، فيرى في كل ذلك يد القدرة الإلهية، وحكمة المدبر سبحانه.

وقد امتن الله على عباده بهذه النعمة فقال: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9]، وقال جل شأنه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30]. فلا حياة للإنسان، ولا للحيوان، ولا للنبات إلا بهذا الماء الذي ينزله الله من السماء بقدر، ولو شاء سبحانه لمنعه، أو جعله أجاجًا، أو أنزله مفسدًا، ولكنه بلطفه ورحمته جعله عذبًا فراتًا، رحمةً بالخلق أجمعين.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح بنزول المطر، ويستبشر به، فإذا نزل كشف بعض ثوبه حتى يصيب جسده من المطر، فلما سئل عن ذلك قال: (إنه حديث عهد بربه) رواه مسلم. وكان إذا رأى المطر قال: (اللهم صيبًا نافعًا) رواه البخاري. ففي هذا تعليم للأمة أن تستقبل نعم الله بالشكر، وأن تربط قلبها بالمنعم لا بالنعمة، وأن تجعل نزول الغيث مناسبة لذكر الله ودعائه، لا مجرد مناسبة للحديث عن الأحوال الجوية.

قال بعض العارفين: "ما أنزل الله من السماء قطرةً إلا أنبت بها بركةً لمن شكر، وحجةً على من كفر". فليتأمل العاقل كيف تتحول القطرة الواحدة إلى أنهار، وكيف يحيي الله بها أرضًا هامدة، فيستدل بذلك على قدرته على إحياء القلوب بالتوبة، وإحياء الأجساد بعد الموت يوم البعث.

أيها المسلمون: إذا أكرم الله عباده بالغيث، فإن الشريعة لم تكتفِ ببيان أنه نعمة، بل أرشدت إلى آدابٍ وأحكامٍ تُظهر شكر هذه النعمة وتعظيم المنعم سبحانه. فمن ذلك أن يُستقبل نزول المطر بالدعاء، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال: (اللهم صيبًا نافعًا) رواه البخاري. وفي هذا الدعاء تعليم للأمة أن تسأل الله أن يجعل هذا المطر خيرًا وبركة، فإن الماء قد يكون رحمة إذا نزل بقدر، وقد يكون ابتلاءً إذا تجاوز حده، والله تعالى يقول: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 27].

ومن السنة: أن يتعرض المسلم لأول المطر؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن بعض جسده حتى أصابه المطر، وقال: (إنه حديث عهد بربه) رواه مسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه. قال العلماء: أي أنه نزل قريبًا من خلق الله له، وفيه استحباب التفاؤل ببركة هذه الرحمة النازلة من السماء.

وإذا اشتد المطر وخيف ضرره، شرع للمسلم أن يدعو بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر) متفق عليه. ففي هذا الدعاء كمال الأدب مع الله؛ إذ لم يسأل انقطاع المطر مطلقًا، وإنما سأل تحويله إلى المواضع التي ينتفع بها الناس، فلا يقع بهم الضرر، ولا تنقطع عنهم الرحمة.

ومن الأحكام المتعلقة بالمطر: ما جاءت به الشريعة من الرخصة في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء عند وجود المطر الذي تلحق به المشقة في الذهاب إلى المساجد، رفعًا للحرج عن الناس، فإن هذا الدين مبناه على اليسر، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]، وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

معاشر المؤمنين: وإذا احتبس المطر، وجفت الأرض، وأصاب الناس القحط والجدب، فإن المؤمن لا يلجأ إلى اليأس، ولا يقطع الرجاء، بل يعلم أن خزائن السموات والأرض بيد الله وحده، وأن مفاتيح الغيث عنده سبحانه، قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 59]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} [لقمان: 34].

ولهذا شرع الإسلام صلاة الاستسقاء، وهي من أعظم مظاهر الافتقار إلى الله، فيخرج المسلمون متواضعين، متذللين، مكثرين من التوبة والاستغفار، يسألون ربهم أن يغيثهم. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فدعا الله، وصلى بالناس، وحول رداءه، كما رواه البخاري، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه.

وليس المقصود من الاستسقاء مجرد طلب نزول الماء، بل هو إعلانٌ عملي بأن خزائن الرحمة بيد الله وحده، وأنه لا كاشف للكرب إلا هو، ولذلك قرن الله بين الاستغفار ونزول الغيث، فقال على لسان نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استسقى أكثر من الاستغفار، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: "لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء"، ثم تلا هذه الآيات، إشارةً إلى أن الاستغفار من أعظم أسباب نزول البركات.

أيها المسلمون: ومن أعظم الدروس التي يعلمنا إياها المطر أن النعم لا تدوم إلا بالشكر، وأن الذنوب من أسباب حرمان البركات، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]. وليس لأحد أن يجزم بأن احتباس المطر في بلد بعينه إنما هو بسبب ذنب معين فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، لكن المشروع أن يراجع كل واحد نفسه، وأن يكثر من التوبة، وأن يستغفر ربه، وأن يوقن أن صلاح القلوب والأعمال سبب لنزول الخيرات.

ومن الأحكام العظيمة التي أكدتها السنة تحريم نسبة المطر إلى النجوم أو الكواكب استقلالًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد نزول المطر: (قال الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) متفق عليه، من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.

أما من ذكر الأسباب الكونية على أنها أسباب خلقها الله، مع اعتقاد أن الله هو المنزل للمطر، فلا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى هو خالق الأسباب ومسببها.

ومن العبر كذلك: أن المؤمن يرى في نزول المطر صورةً من صور إحياء الأرض بعد موتها، فيتذكر البعث والنشور، قال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ} [فصلت: 39]. فمن أحيا الأرض بعد يبسها قادر على أن يحيي القلوب بالإيمان، وأن يحيي الأجساد بعد فنائها.
فكل قطرة مطر تذكرنا بقدرة الله، وكل أرض تخضر بعد جدبها تذكرنا بوعد الله في البعث، وكل نعمة تستوجب شكرًا، وكل ابتلاء يستوجب صبرًا وإنابة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: اتقوا الله، واعلموا أن التقوى من أسباب رحمة الله بالعباد وإنزال رزقه وخيره عليهم.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن نزول المطر واحتباسه كلاهما ابتلاء من الله تعالى، والمؤمن يتعبد لله في الحالين؛ فإن نزل الغيث شكر وحمد، وإن احتبس صبر واستغفر ودعا، فلا ييأس من رحمة الله، ولا يغفل عن نعمته، بل يكون قلبه معلقًا بربه في السراء والضراء.

عباد الله: إن من أعظم واجباتنا أن نحافظ على نعم الله، وأن نُرِشِّد في استعمال المياه، وأن نتجنب الإسراف، فإن الله تعالى قال: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الإسراف حتى في استعمال الماء مع وفرته، فكيف إذا أصبحت المياه موردًا يحتاج إلى المحافظة عليه؟

وأكثروا من الدعاء، وألحوا على الله في طلب الغيث النافع، واشكروه إذا أنعم، واستغفروه إذا أبطأ المطر، وأحسنوا الظن بربكم، فإن خزائن رحمته لا تنفد، وهو سبحانه أرحم الراحمين.

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].


مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة