الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس الكفر أتعبتني وجعلت حياتي جحيماً

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شيخنا، أسأل الله أن تكونوا بخير وعافية، أود أن أطلب منكم حكمًا شرعيًا وتوضيحًا في مسألة.

أنا أعاني من اضطراب الوسواس القهري (OCD)، ورغم أنه كان قابلًا للتحمّل سابقًا، إلا أنه بعد زواجي -الذي تم قبل حوالي 8 - 9 أشهر-، أصبحت في ضيق شديد منذ نحو 7 أشهر، بسبب فكرة مُقلقة، وقد وصل الأمر إلى حد أنني بدأت أشعر فعلًا بألم في صدري، ولم تعد الحياة مُستساغة بالنسبة لي.

كنت أدرس الدين (كنت أدرس عمدة الفقه، وكنت أدرس عدة متون في العقيدة مثل الحمويّة، والتدمريّة، وشرح العقيدة الأصفهانيّة وغيرها)، لكن كل ذلك توقف الآن؛ بسبب عدم قدرتي على التركيز؛ إذ إن ذهني يدور باستمرار حول فكرة واحدة، وقد بدأت تؤثر حتى على صحتي الجسدية.

نشأت هذه الفكرة بعد أن قرأت «نواقض الإسلام»، ومنذ ذلك الحين بدأت تأتيني الوساوس بأنني ربما وقعت في أحد هذه النواقض وارتكبت كفرًا -أعوذ بالله- في فترة من حياتي قبل الزواج (مثلًا في عام 2017)، ثم نسيت ذلك، فلم أتُب منه، مع أنني قد نطقت بالشهادتين مرات عديدة، لكنني قرأت في مكان ما أن الرجوع إلى الإسلام يكون بالتوبة والشهادتين، ولا أستطيع أن أتذكر أنني قمت بتوبة عامة قبل الزواج؛ وبسبب هذا أخاف أنني بقيت خارج دائرة الإسلام خلال تلك الفترة (من 2017 إلى 2025)، وبالتالي، عند وقت زواجي، لم أكن مسلمًا -أعوذ بالله-، فيكون النكاح غير صحيح.

وأخاف أيضًا أنني بعد ارتكاب الكفر (مثلًا في 2017)، ربما نسيته ولم أتُب منه، ولا أستطيع أن أتذكر أنني قمت بتوبة عامة قبل الزواج، ولذلك أخشى أنني بقيت خارج ملة الإسلام، وأن زواجي كان غير صحيح، وأنه في أي وقت قد أتذكر أنني فعلت كفرًا في الماضي (مثلًا في 2017) ثم نسيته ولم أستطع أن أتوب منه، فتُبطل النكاح.

واللهِ يا شيخ، إنني في ضيق شديد، أعيش في خوف دائم من أن أتذكر في أي لحظة شيئًا من الماضي يدل على أنني وقعت في الكفر، وأرجو منكم أن تخبروني ماذا أفعل إن تذكرت فعلًا أمرًا كهذا -أعوذ بالله-؟، واللهِ يا شيخ، إنني أحب الله، ورسله، ودينه، وقد صليت الصلوات الخمس منذ طفولتي -الحمد لله-، وخفتُ الله وأحببته منذ أن كنت طفلًا -الحمد لله-، وأحب هذا الدين أكثر من أي شيء آخر -الحمد لله-، ومما يزيد الأمر بيانًا أن عقد نكاحي كان بعد صلاة الظهر، وقد صليت الظهر، (وبالتالي نطقت بالشهادتين)، وكان قلبي في وقت النكاح ممتلئًا بالإيمان.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ هارون حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب.

أولاً: نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يصرف عنك شر هذه الوساوس وأن ينجيك منها.

ثانياً: يؤسفنا جداً -أيها الولد الحبيب- أن تكون دراستك لكل هذه الكتب التي ذكرتها في علم المعتقد الإسلامي واجتهادك في تحصيل العلم الشرعي؛ يؤسفنا أن تكون النهاية بعد ذلك هي أن تتسلط عليك الوساوس بهذه الطريقة التي وصفتها في سؤالك.

لا شك ولا ريب أنك وقعت فريسة سهلة للوسوسة، والواجب عليك أن تأخذ بالأسباب التي تدفع بها هذا القدر، الوسوسة مرض من جملة الأمراض التي قد يصاب بها الإنسان، لكنها تتسلط عليه عندما يهمل مدافعتها، واتباع المنهج النبوي في الأخذ بأسباب الشفاء منها، ونحن على ثقة تامة بأنك إذا اتبعت المنهج النبوي في مدافعة هذه الوساوس، ولو أثقلت نفسك باتباع هذه الخطوات، فإنك -بإذن الله تعالى- ستتخلص منها عن قريب، أما التمادي معها والاسترسال مع أسئلتها وأفكارها فإنها لا تزيدها إلا ثباتاً، وهي كلما ثبتت كلما تسلطت عليك وأوقعتك في أنواع من الضيق والحرج، والله سبحانه وتعالى لا يحب منك شيئاً من ذلك، والذي نستطيع أن نلخصه لك بين يديك في معالجة هذه الوساوس:

الجانب النفسي الروحي الشرعي، أن تأخذ بما أرشد إليه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- كل من ابتلي بالوسوسة، وتتلخص الوصية النبوية في مدافعة الوسوسة والتداوي منها في أمور ثلاثة:

الأمر الأول: قائم على تحقير هذه الوساوس وازدرائها وعدم المبالاة بها، والذي يعينك على هذا التحقير لهذه الوساوس، أن تعلم أن مصدرها إنما هو الشيطان، والله تعالى لا يحب منك الاسترسال مع خطوت الشيطان واتباعها، وقد قال الله في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)، وإن حاول الشيطان إيهامك بأن هذا أمر مهم وبأنه أمر تترتبت عليه السعادة الأبدية أو الشقاوة الأبدية، وحاول أن يظهر لك هذا التخوف بمظهر التدين، ويحاول أن يلبسه لباس الخوف من الله تعالى والخوف على دينك ومستقبلك بعد مماتك؛ فهذه كلها حيل شيطانية قد عرف الشيطان توجهك ورغبتك في التدين وحرصك عليه، فلم يجد طريقاً لإفساد الدين عليك إلا أن يأتيك من قبل الوساوس، وقد جاء بعض الصحابة يشكو إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وساوس يجدها في صدره، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، يعني أنه لما عجز الشيطان عن أن يصرفه عن الدين ويحوله عنه؛ رجع إلى مكر خبيث، ولكنه ضعيف تافه، فرجع إلى استعمال أساليب الوسوسة.

فإذا علمت كل هذه المعلومات حول الوسوسة، مصدرها وما يريد الشيطان منها؛ سهل عليك أن تحتقرها وتزدريها، وأن لا تبالي بها، وهذا أساس العلاج وهو أهم دواء قالع لها، تحقيرها بحيث كلما داهمتك انصرفت عنها إلى الاشتغال بغيرها في أمر دين أو أمر دنيا،

الوصية الثانية: مع هذا الانصراف والتحقير لها وعدم المبالاة بها، تكثر من الاستعاذة بالله تعالى كلما داهمتك هذه الأفكار، وهذا الدواء لخصه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله لمن أصيب بالوساوس: (فليستعذ بالله ولينته)، فاثبت على هذا الطريق، ولو وجدت فيه مشقة في أول الأمر، لكنك ستجد -بإذن الله تعالى- عواقبه حميدة، وستجد نفسك تتحسن كل يوم ويزول عنك هذا المكروه شيئاً فشيئاً.

الوصية الثالثة من خطوات هذا العلاج هي: التحصن بذكر الله تعالى، ودوام الذكر في سائر الأحوال من الليل والنهار، وقد دلتنا الأحاديث الكثيرة والآيات القرآنية قبل ذلك على أهمية ذكر الله تعالى لتحصين الإنسان نفسه من الشيطان، وقد جاء في وصية الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمن أصيب بشيء من الوسوسة أن يقول: (آمنت بالله) أي: أن يكثر من ذكر الله، لا إله إلا الله ونحوها.

نحن على ثقة ثامة -أيها الحبيب- من أنك إذا سلكت هذا الطريق ستجد العافية -بإذن الله-، فننصحك باللزوم له والصبر عليه، وأن لا تبالي بهذه الأفكار التي تراودك فأنت على إسلامك وإيمانك، نسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.

كما نوصيك بالتداوي الحسي؛ بعرض نفسك على طبيب، ربما يصرف لك من الأدوية ما يعينك على التخلص منها.

نسأل الله لك التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً