الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الغيرة المرضية أدت بزوجي للطلاق!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنتُ وزوجي نُعدُّ من أصحاب العلاقات الناجحة -ولله الحمد-، فلم نشتكِ يوماً، وكنا نحب بعضنا كثيراً، ولم يسُد بيننا إلا الحب والاحترام طوال تسع سنوات.

في رمضان 2025 خرجنا إلى مطعم، وكان زوجي مبتهجاً جداً، يسألني: "هل هناك علاقات تستمر دون مشاكل؟" ويخبرني كم هو سعيد باستقرارنا، وأثناء خروجنا من المطعم، استحال وجه زوجي إلى حالٍ أخرى تماماً؛ صار عابساً لا يتكلم، وظل على هذه الحال يومين، ثم اتهمني بعدها بأنني كنتُ أنظر لرجل وطفلته في المطعم، أخبرتُه أنني شردتُ بذهني في الفتاة دون قصد، وهذا ما حدث فعلاً، وأكملتُ أيامي معه بذات المودة التي كانت قبل ذهابنا للمطعم، لكنه لم يعد كما عهدتُه؛ إذ صار يتغيب عن عمله كثيراً رغم مواظبته الدائمة، وقلَّ تناوله للطعام والحلويات رغم حبه لها، وأصبح يستجوبني كالمُحقق: "من جاء اليوم؟ متى خرجتِ؟ وماذا فعلتِ بعدها؟"، ثم صار سؤاله أكثر صراحة عن جارٍ لنا لا نعرفه ولا يعرفنا، ولم يصدر منه سوءٌ في الحي، يسألني: "هل تشاهدينه على الدرج؟ هل هددكِ؟ هل تعرفين عنه شيئاً؟".

كان خلال تلك الأيام يلمح للطلاق مازحاً، وأحياناً إذا غضبتُ من سؤاله عن الجار يقول لي: "أنتطلق؟ أنا آسف، لقد آذيتكِ كثيراً ولم أقدركِ"، استمر الحال هكذا شهرين، حتى أيقظني زوجي يوم الجمعة وهو يمسك سكيناً ليخبرني أنه رآني قبل الفجر في غرفة الضيوف مع جارنا!

تم تشخيص زوجي بمرض "الغيرة الوهمية المرضية"، ولم يتناول الدواء؛ لأنه يعمل ممرضاً ويعرف أعراضه الجانبية، لكن سؤالي هو: لماذا يصر على الطلاق؟ يقول إنه يرتاح إذا فكر في طلاقي رغم كل الحب بيننا، ويقولها وهو يبكي، ويردد: "الموضوع ليس بيدي، أشعر بالحرية والراحة الجسدية والنفسية عند التفكير في الانفصال"، أما إذا فكر في الاستقرار معي مرة أخرى، فإني ألحظ عنده رجفة قوية، وتشنجات، وخفقاناً في القلب!

هل هذا مرض نفسي أم عين؟ الموضوع يؤرقني، ومن حولي مصدومون؛ فكيف لزوجي الذي كان لا يرتاح إلا معي -والجميع يدرك مكانتي عنده- أن يرتاح ببعدي؟! هل المرض يفقده الإحساس أم أن هناك أمراً آخر؟!

لقد مر على طلاقنا شهران، وما زال يذكر أمام أهله أنه كان مستقراً معي، ويثني عليّ، ويراقب حساباتي، لكنه لا يستطيع التفكير في العودة بسبب الأعراض المؤذية التي تنتابه عند التفكير في ذلك، هل هذا مرض أم عينٌ أصابته فجأة؟ لم أذكر السحر، فنحن لا تربطنا علاقات بالجيران أو غيرهم، وكلانا من عائلتين ملتزمتين من حفظة القرآن.

والآن هو يعيش عند أهله، وأنا مع أطفالي، ويبدو وضعه مستقراً، يكمل يومه رغم افتقاده لنشاطه المعهود؛ فقد كان شعلةً من النشاط وكثير الكلام، فهل واجهتم مثل هذه المشكلة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Zainah حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بكِ في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى لكم العافية.

أيتها الفاضلة الكريمة: وصفكِ واضح لهذه الحالة، ونحن نثق في كل كلمة ذكرتِها؛ لذا أستطيع أن أقول: إن هذا الرجل -عافاه الله وشفاه- بالفعل يُعاني من حالة مرضية شكوكية ظنانية تَوهمية، وهي حالة معروفة جدًّا لدينا في الطب النفسي، وقد واجهتُ الكثير من الحالات من هذا النوع، وهذه الحالات تُعالج، نعم هي تأتي تحت الأمراض البارونية أو الظنانية، ويتم علاجها -إن شاء الله تعالى- عن طريق الأدوية المضادة للذهان.

طبعًا أحد الإشكالات الرئيسية حول هذا المرض أن صاحبه لا يعترف به كمرض؛ لذا يحتاج الشخص المصاب بمثل هذه الاضطرابات الذهانية أن يتعامل مع طبيب حاذق، طبيب متميز، يستطيع أن يقنعه بتناول العلاج، و-الحمد لله- الآن توجد أدوية ممتازة، أدوية خفيفة وسليمة، وحتى إن أراد ألَّا يتناول الحبوب مثلًا، هنالك علاج عن طريق الإبر؛ إبرة كل أسبوعين مثلًا، عقار يُسمى (ريسبيريدون - Risperidone) فعّال جدًّا، وهنالك عقار آخر يُسمى (بالیبیريدون - Paliperidone) إبرة شهرية.

أعتقد أن هذا الأخ يمكن أن يُعالج بصورة فعّالة، ويمكن إقناعه، فقط يحتاج لمن يُجالسه ويتحدث معه في خصوصية، ولا نقول له: "أنت مريض"، كل الذي نقوله له: "أنت مُجهد نفسيًا، لذا أصبحت تفكر في أشياء كثيرة وتظهر عليك أعراض الاكتئاب وعدم الارتياح".

فيا أيتها الفاضلة الكريمة: أرجو أن تجدي لزوجكِ العذر فيما أقدم عليه، وأرجو ألَّا يتوقف جهدكِ أبدًا عن علاجه، حتى وإن وقع الطلاق؛ نعم، أنا حقيقة أنزعج كثيرًا حين تُشخّص هذه الحالات ولا تُعالج، لأن علاجها سهل، وفي ذات الوقت فعلًا هذا المرض قد يُؤدِّي إلى إشكالات كبيرة وسط الأسر، وأنا أعتقد أن ابتعادكِ عنه -حتى وإن كان الطلاق هو أبغض الحلال عند الله- أفضل في هذه المرحلة، لا أريد أن أرمي عليكِ همومًا أو انشغالًا، لكن ابتعاده عنكِ يُبعد عنكِ الخطورة -إن شاء الله تعالى-.

و-إن شاء الله- بعد أن يتناول علاجه، أنا على ثقة كاملة أنه سوف يرجع إليكِ وتعيشين معه ومع أطفالكِ، فأرجو أن تبذلي كل جهد لأن يتعالج، والشخص الذي يتحدث معه حول أهمية مقابلة الطبيب يجب أن يكون شخصًا قريبًا له وذا تأثير عليه؛ يمكن أن يكون صديقًا، يمكن أن يكون إمام المسجد، يمكن أن يكون زميلًا، وفي سرية تامة يتفاوض معه.

فمهم جدًا أن تُعالج هذه الحالة، وهذه الحالة تستجيب للعلاج بدرجة كبيرة جدًّا، لا تقل عن تسعين في المائة (90%)، وهذه نسبة كبيرة جدًّا في الطب.

بخصوص بالسحر، لا نستطيع أن نثبت أو ننفي، ونحن نؤمن بوجوده، ومن المستحسن أن يذهب إلى أحد المشايخ ليرقيه، وهذا أيضًا من الأشياء المفيدة، ، فأتمنى أن يذهب زوجكِ إلى راقٍ، ويكون هناك اتفاق مع الراقي أن يُوجهه نحو العلاج.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً