الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تعرضت لتنمر مستمر من صديقاتي أثر على ثقتي بنفسي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة محبوبة جدًا واجتماعية طوال فترة حياتي، ولا أحمل في قلبي حسدًا أو حقدًا على أحد، وأتعامل مع الجميع بلطف، وعلى طبيعتي، لكن عندما دخلت المرحلة الثانوية قررت أن أكون فتاة هادئة قليلة الكلام؛ وهذا كان يساعدني دائمًا على التركيز.

الذي حدث أن فتيات المجموعة –وهن كنّ صديقاتي في الماضي– بدأن بتوجيه النقد السلبي لي، وإلقاء كلمات كانت تهز كياني، فأشعر وكأن سكينًا دخلت قلبي، وتتعرق يداي، وينبض قلبي بسرعة، واستمرت انتقاداتهن وكلماتهن عليّ لمدة أربعة أشهر كاملة.

كنّ يقلن بصوت عالٍ عند دخولي الفصل عبارات مثل: "ياع وصلت الكريهة"، "أخ شوفي شكلها"، وغيرها من الانتقادات، وأنا لم أُظهر التأثر، بل كنت أتصنع القوة، لكني أصبت بحالة جعلتني أتنازل عن تقدير نفسي، حتى في حفلات التكريم صرت لا أحضرها، وأتوتر بشكل شديد إذا نادتنا المعلمة للتكريم.

دخلت الجامعة ولا زلت أعاني قليلًا من هذه الأمور:
- عدم الإحساس بالأمان.
- فقدان الثقة بالناس.
- توقع الأسوأ دائمًا.
- حساسية مفرطة تجاه تعليقات الآخرين.
- أحيانًا أخاف الخروج من المنزل حتى مع أهلي.
تولد لدي خوف من الشوارع والتجمعات، والأبراج، وحتى مجرد الخروج خارج المنزل، كما بدأت معي مقارنات بشكل مبالغ فيه، فأقارن نفسي كثيرًا مع أقاربي، ولا زالت يداي تتعرقان في مثل هذه المواقف، وأسعى دائمًا للمثالية حتى لا يوجه لي أحد كلمات سلبية.

تعبت، أرجوكم ساعدوني، رغم كل هذا حصلت على معدل عالٍ في الثانوية (99)، وحاليًا أدرس تخصصًا طبيًا، لكن هذا الوضع لا يصلح أن يستمر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتكِ أختي الكريمة أنكِ تمرّين بتحديات نفسية بدأت منذ مرحلة الثانوية؛ حيث تعرضتِ لتجربة مؤلمة من التنمر والنقد السلبي من قِبل زميلاتكِ السابقات؛ مما أثر على شعوركِ بالأمان وثقتكِ بنفسكِ وبالآخرين، وتطور الأمر إلى مخاوف من التجمعات والأماكن العامة، وصولاً إلى السعي المفرط للمثالية كدرع حماية.

أولاً: أود أن أحييكِ على شجاعتكِ في طرح مشكلتكِ، وعلى نجاحكِ الباهر وتفوقكِ الدراسي رغم كل هذه الضغوط؛ فحصولكِ على معدل 99% ودخولكِ تخصصاً طبياً هو دليل قاطع على أنكِ تمتلكين إرادة صلبة، وقدرات عقلية متميزة، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة تستحق الشكر والاعتزاز.

ما تمرّين به هو صدمة اجتماعية ناتجة عن تنمر مبرمج ومستمر، أدى إلى ما نسميه بالقلق الاجتماعي الممزوج ببعض أعراض الرهاب من الأماكن أو التجمعات، الكلمات التي كانت تهز كيانكِ تحولت مع الوقت إلى صوت داخلي يجعلكِ تترقبين الأسوأ وتخافين من النقد.

تعرّق اليدين ونبض القلب السريع هي ردود فعل جسدية طبيعية لحالة الاستنفار التي يعيشها جهازك العصبي خوفاً من تكرار الأذى.

تذكري أختي الكريمة أن الله عز وجل يبتلي عباده ليصفي نفوسهم ويرفع درجاتهم، هؤلاء الفتيات اللاتي أسأن إليكِ قد وقعن في إثم السخرية والتنمر، والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ) [الحجرات:11]، قيمتكِ مستمدة من كونكِ أمة لله، ومن أخلاقكِ وعلمكِ، وليست مستمدة من أفواه الناس الذين قد تملأ قلوبهم الغيرة أو نقص الحكمة.

من الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله-:
• فك الارتباط بين قيمتكِ ورأي الناس، فأنتِ تسعين للمثالية لكي لا تُنتقدي، ولكن الحقيقة أن رضا الناس غاية لا تُدرك، والكمال لله وحده، كوني على طبيعتكِ الطيبة كما كنتِ، واعلمي أن نقد الحاقدين لا يضركِ إلا أذىً بسيطاً في السمع، ولكنه لا يغير من جوهركِ شيئاً.

• خوفكِ من الشوارع أو التجمعات يحتاج إلى تعريض متدرج، ابدئي بالخروج لأماكن هادئة مع شخص تثقين به جداً، ثم زيدي الجرعة شيئاً فشيئاً، لا تسمحي للانطواء أن يسجنكِ، فالعالم واسع ورحمة الله أوسع.

• اللجوء إلى الله ومناجاته يمنحكِ الأمان الذي تفتقدينه، يقول الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]، واظبي على أذكار الصباح والمساء، فهي حصن نفسي وروحاني يجعلكِ تشعرين أنكِ في كنف القوي العزيز، فلا يضركِ من في الأرض جميعاً.

• عندما تشعرين بتعرق اليدين أو سرعة النبض؛ استخدمي التنفس العميق: خذي شهيقاً بطيئاً من الأنف وعدّي للأربعة، ثم أخرجي الزفير ببطء شديد، هذا يهدئ الجهاز العصبي فوراً.

أختي الكريمة: إن دراستكِ للطب تتطلب منكِ توازناً نفسياً؛ لأنكِ ستتعاملين مع آلام البشر، وهذا التوازن يبدأ من داخلكِ أولاً، لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، ولكن للأمانة والموضوعية، وبما أن الأعراض وصلت إلى حد الخوف من الخروج، وتأثر حياتكِ الاجتماعية بهذا الشكل، فنحن ننصحكِ بزيارة أخصائية نفسية مؤهلة (علاج معرفي سلوكي CBT) لتساعدكِ في تفكيك تلك الصدمات القديمة وتجاوزها، وهذا ليس ضعفاً، بل هو من باب الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.

إن هذه المحنة التي مررتِ بها ستكون هي الجسر الذي تعبرين منه نحو شخصية أكثر نضجاً وقوة، وعطفاً على المرضى والمتألمين، أنتِ فتاة متميزة، وما حدث في الماضي كان مجرد غمامة صيف لن تمنع شمس نجاحكِ من الشروق مجدداً.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً