الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس الكفر والطهارة سببت لي حالة نفسية صعبة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة جامعية، أعاني من وسواس قهري شديد، خاصة في مسائل الكفر والعبادات والطهارة، وقد أدخلني هذا الأمر في حالة نفسية صعبة جدًّا، إذ بدأ شعري يتساقط، وقلَّت شهيتي للطعام بشكل ملحوظ، وأصل أحيانًا إلى إيذاء نفسي بضربها، كما أشعر في بعض الأحيان أنني على حافة الجنون.

تدهورت علاقاتي مع الناس، وأقضي معظم يومي عند المغسلة، أستعمل الماء بكثرة؛ ممَّا أدى إلى إصابتي أحيانًا بالزكام، وعائلتي لا يشجعون فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي؛ لذلك أتواصل معكم هنا لعلّي أجد طبيبًا نفسيًا يساعدني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إكرام .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بك في استشارات إسلام ويب.

هذه وساوس قهرية، وهذا النوع من الوساوس يكثر بعد فترة اليافعة وبدايات سن الشباب، كما هو في حالتك، والوساوس الدينية موجودة، بل كثيرة؛ وأحيانًا تكون عارضة وأحيانًا تستمر، لكن في جميع الحالات نحن نقول إنها يجب أن تعالج طبيًا بصورة فاعلة جدًا.

هنالك أدوية فاعلة ممتازة وهنالك علاجات سلوكية، العلاجات السلوكية بسيطة جدًّا؛ هي متعددة لكن أبسطها يمكن أن يطبقها الإنسان لوحده، وعلى ضوء ذلك أريدك أن تكتبي هذه الوساوس في ورقة؛ ابدئي بأقلها وأضعفها، يمكن أن تكتبي حتى خمسة أنواع من الوساوس وتبدئي بالأضعف، وتطبقي عليه ثلاثة تمارين:

التمرين الأول نسميه (التحقير والتجاهل): تخاطبين الفكرة مباشرة كأنها إنسان أمامك، تخاطبينها: "أنت فكرة حقيرة، أنا لن أهتم بك، أنت تحت قدمي" وهكذا تستمرين في هذا الرفض أو في هذا التجاهل أو التحقير لمدة دقيقتين.

بعد ذلك تنتقلين للتمرين الثاني والذي نسميه (صرف الانتباه)، ومن خلال صرف الانتباه يجب أن تأتي بفكرة جميلة، فكرة عظيمة؛ تجعلينها أقوى من الفكرة الوسواسية لتسيطر على الفكرة الوسواسية، تذكري أي شيء جميل في حياتك وركزي عليه، حتى وإن كان شيئًا خياليًا؛ دعيه يطغى على الوسواس كفكرة ويخرجه -إن شاء الله- من نطاق تفكيرك.

التمرين الثالث نسميه (التنفير): التنفير يقصد به أن تُدخلي على نفسك تفاعلاً مخالفاً لطبيعة الوسواس، ومن أفضل التمارين هو أن تجلسي أمام الطاولة وتستجلبي وتستحضري الفكرة الوسواسية، وفجأة تقومين بالضرب على يدك بقوة وشدة حتى تحسي بالألم؛ هنا تربطين ما بين الألم والفكرة الوسواسية، ويكرر هذا عشرين مرة متتالية.

بعد أن تطبقي هذه الثلاثة التمارين على الفكرة الأولى انتقلي للفكرة الثانية، وهكذا، الجلسة العلاجية على الأقل يجب أن تستمر عشرين دقيقة بمعدل مرتين في اليوم لمدة عشرة أيام، ثم جلسة واحدة يوميًا لمدة عشرة أيام أخرى؛ وإن شاء الله تتفكك الوساوس وتتهشم وتزول، خاصة إذا طبقت بتركيز وقناعة، وتناولت الدواء المطلوب.

أيضًا عليكِ أن تتجنبي الفراغ، الفراغ الذهني والفراغ الزمني؛ لأن الفراغ بصفة عامة يستجلب الوساوس، ويأخذ وقت الأشياء المهمة والأولويات في حياتنا، والواجبات أكثر من الأوقات، لذا إن كنتِ لا تعملين أو لا تدرسين –أو لا تشغلين نفسك بشيء– يجب أن تملئي وقتك بما هو مفيد، فلا ينبغي أن يُترك الوقت بلا عمل أو هدف، بل يجب استثماره في أنشطة نافعة، فأرجو أن تبحثي عن وسائل أخرى لملء وقتك، مثل:

- القراءة والاطلاع؛ فهي توسّع المدارك وتُنمّي الفكر.
- تثقيف النفس بعلم من العلوم: كتعلُّم مهارة جديدة، أو دراسة مجال تحبينه.
- حفظ القرآن الكريم: هو مشروع عظيم يملأ القلب نورًا، ويُشغل الذهن بما هو خير.
- المشاركة في أعمال المنزل؛ مما يُشعرك بالمسؤولية ويُقوّي الروابط الأسرية.

وهناك أنشطة كثيرة أخرى يمكن للإنسان أن يستفيد منها، مثل: ممارسة الرياضة، أو العمل التطوعي، أو تنمية الهوايات الشخصية؛ كل ذلك يُعد وسيلة ممتازة لإدارة الوقت بشكل حسن، والاستفادة منه بما يُبعد عن الوساوس ويُقرّب من الطمأنينة.

أرجو أن تتجنبي السهر أيضًا، وأرجو أن تمارسي تمارين الاسترخاء، خاصة تمارين التنفس المتدرجة؛ فهي ممتازة جدًّا، وتوجد برامج على اليوتيوب يمكنك الاستفادة منها في تطبيق هذه التمارين.

أمَّا الدواء، فيا حبذا لو ذهبت إلى الطبيب النفسي؛ وإن صعب هذا فطبقي التمارين التي ذكرتها لك، وسوف أذكر لك اسم واحد من أفضل الأدوية وأسلمها، ولا يسبب الإدمان، ولا يؤثر على الهرمونات النسائية، الدواء يسمى (سيرترالين - Sertraline)؛ جرعته تبدأ بنصف حبة، وبما أن الحبة تحتوي على (50 ملغ) تناولي (25 ملغ) لمدة عشرة أيام.

بعد ذلك اجعليها حبة واحدة كاملة (50 ملغ) يوميًا لمدة أسبوعين، ثم اجعليها حبتين يوميًا (100 ملغ) لمدة شهر، ثم اجعلي الجرعة ثلاث حبات يوميًا (150 ملغ)، ويمكنك أن تتناوليها كجرعة واحدة نهارًا مثلًا، إلَّا إذا سببت لك نعاسًا فتناوليها ليلاً. استمري على هذه الجرعة العلاجية الجيدة جدًّا، والجرعة العلاجية الكاملة والكلية والقصوى هي أربع حبات في اليوم (200 ملغ) لكن لا أراك في حاجة لهذه الجرعة.

إذًا استمري على جرعة الـ (150 ملغ) يوميًا لمدة ثلاثة أشهر، ثم خفضيها إلى (100 ملغ) يوميًا لمدة ثلاثة أشهر أخرى، ثم اجعليها حبة واحدة (50 ملغ) يوميًا، وهذه الجرعة الوقائية، والتي يجب أن تستمري عليها لمدة أربعة أشهر، ثم اجعليها نصف حبة (25 ملغ) يومياً لمدة أسبوعين، ثم (25 ملغ) يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين آخرين، ثم توقفي عن تناول الدواء.

هذا من الأدوية الممتازة والرائعة جدًّا، وكما ذكرت لك ليس له آثار جانبية؛ فقط ربما يفتح شهيتك قليلًا نحو الطعام، أو ربما تحسين بشيء من الشراهة نحو الحلويات، فإن حدث لك شيء من هذا، فأرجو أن تتخذي المحاذير اللازمة حتى لا يزيد وزنك.

ولمزيد من الفائدة يمكنك الاطلاع على الاستشارات التالية حول علاج وساوس الكفر سلوكيًا: (2339247 - 2142378 - 2452448 - 2562548).

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً