الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رهبة الموقف تسلبني القدرة على التعبير رغم إيماني بقدراتي!

السؤال

السلام عليكم.

أنا إنسانة أتعب كثيرًا حين أحاول أن أعبّر عمّا بداخلي، تخونني الكلمات في اللحظة التي أحتاجها، ويتلعثم لساني، وكأن الأفكار تتزاحم بداخلي دون أن تجد طريقها إلى الخروج.

في مواقف بسيطة قد تبدو عادية للآخرين، أقف عاجزة؛ فإذا مدحني أحد لا أعرف كيف أرد، وإن حاولت الرد أشعر أن كلمتي لم تكن في محلها، فألوم نفسي بعدها طويلًا.

من حولي يرونني قوية، اجتماعية، واثقة، لكن داخلي مختلف تمامًا؛ أواجه ارتباكًا شديدًا عند مقابلة أشخاص جدد، ويصل بي التوتر أحيانًا إلى أنني أشعر بجفاف حلقي من شدة القلق، ورغم أنني مؤمنة بنفسي وقدراتي، إلا أن رهبة الموقف تسلبني قدرتي على التعبير.

هذا الأمر لم يعد مجرد شعور عابر، بل أثّر في حياتي اليومية بشكل واضح؛ فأنا معلمة حاسوب في مدرسة إعدادية جديدة، وكوني بلا خبرة سابقة زاد الأمر تحديًا؛ فقد واجهت مواقف عديدة كنت فيها على حق، لكنني لم أستطع الدفاع عن نفسي، أو توضيح وجهة نظري بالشكل الصحيح، أحيانًا يساء فهمي، وأحيانًا أُظلَم، لكنني بعد انتهاء الموقف أجد الكلمات المناسبة تتدفق في ذهني، ولكن بعد فوات الأوان.

أشعر أحيانًا أن عدم قدرتي على أخذ حقي، أو التعبير عن رأيي يجعلني أبدو أضعف مما أنا عليه في الحقيقة، وهذا يؤلمني؛ لأنني أعرف في داخلي أن لدي فكرًا، ورأيًا، وشخصية، لكنني لا أُحسن إظهارها في الوقت المناسب.

تأثير ذلك امتد حتى إلى تفاصيل يومي الصغيرة؛ أتجنب بعض النقاشات، وأفكر كثيرًا قبل أي تفاعل، وأعيش المواقف كاملة في رأسي قبل أن تحدث، خوفًا من أن أُحرج نفسي مجددًا، وأحيانًا أعود إلى البيت مثقلة بالمواقف التي لم أستطع التعامل معها كما تمنيت.

ومع تراكم الألم، هناك لحظات يشتد فيها الشعور بالعجز إلى درجة مخيفة، لحظات أفكر فيها كثيرًا في الهروب من كل شيء، حتى من الحياة نفسها، أفكار لا تعبر عن رغبتي الحقيقية، بل عن حجم الألم الذي أعيشه، ثم أهدأ وأدرك أنني لا أريد النهاية، بل أريد أن يتوقف هذا الشعور، وأن أتعلم كيف أعيش دون هذا الثقل.

ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن هذه ليست نهايتي، بل مرحلة أحتاج فيها إلى دعم وتعلم ومساندة، ربما أحتاج إلى تدريب، إلى جرأة صغيرة تتراكم، إلى أن أتعلم أن أتحدث ولو بصوت مرتجف في البداية، لكن أن أتحدث.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Elsa حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقع اسلام ويب، وتذكّري –بارك الله فيكِ– أن القلب إذا اتصل بالله سكن، وأن الطمأنينة الحقيقية لا تُستمد من إتقان المواقف بقدر ما تُستمد من يقين العبد، أن الله مطّلع على صدقه وسعيه، وأنه لا يكلّفه إلا وسعه.

رسالتكِ لا تعبّر عن ضعف، بل عن وعي عميق بصراع داخلي دقيق تعيشينه، بين ما تعرفينه عن نفسكِ من قوة وفكر، وبين ما يظهر منكِ في لحظات المواجهة، أنتِ لا تعانين من فراغ داخلي، بل من اضطراب مؤقت في طريقة التعبير حين يرتفع التوتر.

ما يحدث لكِ مفهوم نفسيًا؛ ففي المواقف التي تشعرين فيها بأنكِ تحت التقييم، كأن تُمدحي، أو تُنتقدي، أو تُطالبي بالدفاع عن نفسكِ، يرتفع مستوى القلق، فيتأهب الجسد وكأنه أمام خطر، فيجف الحلق، ويتسارع التفكير، وتتزاحم الأفكار بلا ترتيب، في تلك اللحظة لا يكون العقل في أفضل حالاته التنظيمية، بل في حالة استنفار؛ ولهذا تعجزين عن اختيار الكلمات المناسبة، ثم ما إن يهدأ الموقف حتى تنساب العبارات في ذهنكِ بوضوح، فالمشكلة إذن ليست في غياب الفكرة، بل في أثر القلق على توقيت إخراجها.

كونكِ معلمة جديدة بلا خبرة سابقة زاد الأمر حساسية؛ فالبيئة الجديدة بطبيعتها ترفع منسوب الحذر، وخصوصًا في مهنة التعليم، حيث المعلم في موقع مكشوف أمام طلاب وزملاء وإدارة، وشعوركِ بالحاجة إلى إثبات الذات مفهوم، لكن حين يمتزج هذا الشعور بالخوف من الخطأ يتضاعف الضغط، وهنا يبدأ الجانب الاجتماعي المؤلم: الخشية من أن تُفهمي خطأ، أو أن تظهري بأنك أضعف مما أنتِ عليه، ومع تكرار المواقف يتكون لديكِ حوار داخلي قاسٍ، يحمّلكِ ما لا تحتملين، فتعودين إلى بيتكِ مثقلة لا بالمواقف فقط، بل بطريقة تفسيركِ لها.

تجنّبكِ لبعض النقاشات، واستباقكِ للمواقف في ذهنكِ قبل حدوثها، مؤشر إلى أن القلق بدأ يفرض نمطًا سلوكيًا انسحابيًا؛ هذا لا يعني أنكِ ضعيفة، لكنه إن استمر قد يعمّق دائرة القلق.

أما ما ذكرتِه من أفكار الهروب من الحياة، فهو الجانب الأكثر حساسية في استشارتكِ؛ من المهم التفريق بين رغبة حقيقية في إنهاء الحياة –وهذا لم يَبدُ من كلامكِ– وبين أفكار اندفاعية تظهر عند اشتداد الألم كوسيلة للهروب من الشعور، لا من الوجود، قولكِ: "لا أريد النهاية، بل أريد أن يتوقف هذا الشعور" يدل على أن الدافع هو إنهاء المعاناة، لا إنهاء الحياة، ومع ذلك، لا ينبغي الاستهانة بتكرار هذه الأفكار؛ فإذا شعرتِ أنها تتكرر، أو تشتد، أو تتحول إلى تخطيط، أو رغبة فعلية، فطلب المساعدة المتخصصة حينها ضرورة عاجلة، لا ترفًا، حفاظًا على سلامتكِ النفسية.

من الناحية العملية: أنتِ لا تحتاجين إلى تغيير شخصيتكِ، بل إلى تدريب جهازكِ العصبي على احتمال لحظة التوتر دون انسحاب، ويمكنك أن تتقبلي أن صوتكِ قد يرتجف في البداية، لكن تحدثي رغم ذلك، وخذي ثوان قصيرة قبل الرد، وابدئي بجملة تمهيدية بسيطة تمنحكِ وقتًا للتفكير، وحاولي أن تدرّبي نفسكِ خارج المواقف الحقيقية، وإعادة تمثيل ما حدث، وكتابة الردود الممكنة؛ فالتكرار يخفف رهبة المواجهة، والأهم أن تخففي من جلد الذات بعد كل موقف.

تذكّري أن الهدوء في الرد ليس ضعفًا، وأن سرعة البديهة ليست المعيار الوحيد للقوة؛ فبعض الشخصيات تحتاج لحظة ترتيب، وهذا لا ينتقص من قيمتها، أنتِ بالفعل تملكين الفكر والرأي، وما ينقصكِ هو مساحة آمنة تتدربين فيها على إظهاره تدريجيًا.

أخيرًا: ما تمرين به مرحلة قابلة للتحسن -بإذن الله-، لكنها تحتاج وعيًا، وتدرجًا، وصبرًا على النفس، وأنتِ –بما ظهر من صدقكِ وعمق طرحكِ– تملكين من النضج ما يؤهلكِ لتجاوزها، لا تحمّلي نفسكِ فوق طاقتها، ولا تسمحي للأفكار القاتمة أن تنمو في صمت؛ فحياتكِ وقيمتكِ أكبر من أن يتم اختزالها في مواقف عابرة.

وإن شعرتِ أن الضغوط تتفاقم، أو أن أفكار الهروب تتكرر وتشتد، فالمبادرة بمراجعة مختص نفسي خطوة حكيمة تحفظ عليكِ توازنكِ، فطلب العون قوة لا ضعف.

نسأل الله أن يطمئن قلبكِ، ويثبت خطاكِ، ويجعل هذه المرحلة باب قوة ونضج وطمأنينة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً