الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خطبت مرتين ورفضت، فهل يعتبر ذلك عيباً بي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أنا شاب في عمر الزواج، أبحث منذ مدة عن زوجة صالحة تعينني على الدنيا والآخرة، ولا أشترط فيها إلا أن تكون حسنة المظهر، وذات دين، وقد توسط لي أهلي ومعارفي في الأمر منذ حين، وقد أجريت النظرة الشرعية لشابتين، وفي كلتا الحالتين في بادئ الأمر تكون الأمور طيبة، وعلى وفاق، لكن بعد ذلك تقول المرأة إنها أحست بالضيق والخوف بعد صلاة الاستخارة، في كلتا المرتين تواليًا، ولا أدري ما المشكلة؟

لقد أصبحت أشك في نفسي، هل بي شر مخفي، وبذلك يصرف الله عني نساء المسلمين، أم أن الله تعالى يعلمني الصبر؟

الله أعلم بحالي؛ فقد صرت ضيق النفس، أحمل همًا وثقلاً يضيق به صدري، وكثير ما أتساءل: هل بي عيب ينفِّر، أو أنني لا أجيد التعامل؟ فأنا لا أكثر الكلام معهن في غير أمور العقد والأمور الرسمية، أم أنني بطلبي حسن المظهر طلبت ما لا يحق لي، وصرت أشترط على الله في الرزق -والعياذ بالله-؟

انصحوني -جزاكم الله خيرًا-، فقد صرت أحس بالتيه، ولا أدري ماذا أفعل، لا سيما أن أهلي أيضًا انزعجوا من الأمر، وصاروا يتحاشون مساعدتي في الموضوع.

أحب أن أذكر أنني –بفضل الله– محافظ على الصلاة، وأجتهد في الاستقامة، ولا أعلم في نفسي معصية ظاهرة، أو خلقًا سيئًا، غير أني أصبحت أوسوس أن يكون فيَّ عيب خفي لا أراه.

كما أرجو بيان مسألة الاستخارة: هل شعور المرأة بالضيق بعدها يعني بالضرورة أن الأمر غير مناسب، أم قد يكون صرفًا من الله لأحد الطرفين دون أن يكون في الآخر نقص أو عيب؟

وهل من توجيه عملي في مثل حالتي؟ هل أغيّر من طريقة تعاملي، أم أستمر كما أنا وأفوّض أمري إلى الله دون مبالغة في تحليل الأسباب؟ وهل بسؤالي لكم هنا يعني أني قد حدت عن التوكل الصحيح؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Med حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويقر عينك بالزوجة الصالحة التي تعينك على الدنيا والآخرة، وأن يرزقك الطمأنينة بعد هذا القلق، وسوف نجيبك من خلال ما يلي:

أولًا: اطمئن؛ فما حدث ليس علامة عيب فيك، ومرور تجربتين لم تُكتب لهما الموافقة لا يعني أن فيك خللاً خفيًا، ولا أن الله يصرف عنك الخير لشر فيك، بل هي أقدار، والزواج رزق كسائر الأرزاق، فقد يتأخر لحكمة، وقد يُصرف عنك بعض الناس لأنهم ليسوا من نصيبك، لا لأنك سيئ، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)، وقد يكون الصرف رحمة لا عقوبة.

ثانيًا: الاستخارة ليست شرطًا أن يعقبها ارتياح فوري أو رؤيا منام، والضيق الذي تشعر به المرأة بعد الاستخارة لا يعني بالضرورة أن فيك نقصًا أو عيبًا، بل قد يكون صرفًا إلهيًا لها أو لك، أو عدم نصيب فحسب؛ فالاستخارة معناها: "اللهم إن كان هذا الأمر خيرًا لي فَيَسِّره لي، وإن كان شرًا فاصرفه عني واصرفني عنه"، فإذا صُرف أحد الطرفين، فقد تحقق مقتضى الاستخارة، دون أن يكون في الآخر خلل.

ثالثًا: لا تُحمِّل نفسك ما ليس لك؛ فوقوع الأمر مرتين متتاليتين قد يفتح باب الوسوسة: "هل بي عيب؟ هل في شكلي شيء؟ هل طريقتي جافة؟"، هذا التفكير طبيعي، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى جلد ذات دائم؛ فالزواج قبول متبادل، وأحيانًا يكون الرفض لأسباب ذوقية بحتة، أو إحساس داخلي لا تفسير له.

رابعًا: طلب حسن المظهر ليس اعتراضًا على الرزق؛ فمن حقك أن تطلب ذات الدين، وحسنة المظهر، هذا ليس اشتراطًا على الله، بل اختيار مشروع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تنكح المرأة لأربع) وذكر منها: (لجمالها) ثم قال بعد ذلك وأكد على المعنى الأهم: (فاظفر بذات الدين) فلم يمنع من مراعاة الجمال، بل جعله سببًا من أسباب الاختيار، والمشكلة ليست في اشتراط الجمال، بل في رفع سقف التوقعات فوق الواقع.

خامسًا: هل تغير من أسلوبك؟
ذكرت أنك لا تكثر الكلام خارج الأمور الرسمية، وهذا في أصله حسن، لكن أحيانًا اللقاء الرسمي الجاف قد لا يعطي صورة كاملة عن شخصيتك، ويمكنك أن تكون رسميًا، لكن مع شيء من اللطف، والابتسامة، والوضوح، وطرح رؤيتك للحياة بهدوء، ولا تبالغ في الصمت، ولا في التحفظ الزائد؛ فبعض النساء يبحثن عن قدر من الود الظاهر.

سادسًا: ضيق صدرك الآن مفهوم، فأنت تريد العفاف والاستقرار، وكلما تأخر الأمر ثقل عليك، لكن احذر أن يتحول الحزن إلى استعجال، فتقبل بأقل مما تريد خوفًا من التأخر، ولا تجعل رفض اثنتين أو أربعًا سببًا لانزعاج أهلك أو إحراجهم؛ فالأمر طبيعي جدًا.

سابعًا: ما هو التوكل الصحيح في حالتك؟
التوكل ليس ترك السعي، ولا الغرق في تحليل الأسباب، فالتوكل الصحيح يجمع بين:
1- السعي بالأسباب المشروعة.
2- الرضا بنتيجة الله دون اعتراض.
3- عدم تفسير كل تأخير على أنه عقوبة.

والتوكل أن تقول بقلب مطمئن: "يا رب، أنا أبحث وأتحرك، وأنت تختار لي"، فلا تتعلق بكل مشروع، واحذر الانهيار عند كل تعثر.

ثامنًا: توجيه عملي لك: استمر في السعي، لكن دون توتر، ووسّع دائرة البحث قليلًا، واسأل من تثق بهم عن رأيهم الصريح في انطباعهم عنك (مظهرًا وأسلوبًا)، ولا تكثر من التفكير في الاستخارة كأنها حكم إدانة، وخفف من ضغط "يجب أن أتزوج الآن".

تاسعًا: لا تربط الصلاح بسرعة الزواج؛ فكم من صالح تأخر زواجه لحكمة، ثم رزقه الله خيرًا مما تصور، والرزق مؤجل بقدر، لا يفوته استعجال، ولا يدركه قلق.

وختامًا: ليس فيك شر خفي، ولا أنت منبوذ، ولا الله يعاقبك، قد يكون الله يختار لك امرأة لم تظهر بعد في حياتك، ولو تمت الأولى أو الثانية لما التقيت بها، فاصبر، واهدأ، ووسّع صدرك، وأحسن الظن بربك، وسترى –بإذن الله– أن ما تأخر كان لما هو أصلح.

نسأل الله أن يبارك فيك، وأن يرزقك الزوجة الصالحة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً