الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بالندم لأنني لم أستطع تحقيق حلم والدتي، فما توجيهكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هل يمكن أن يوفقني الله في النتيجة، مع أنني لم أوفق في السعي والاجتهاد؟ أنا في الثانوية العامة، وقبل هذه السنة كنت من الأوائل في جميع السنوات، وكنت أذاكر استعدادًا للثانوية العامة.

نحن الآن في آخر العام، وما زالت لدي دروس متراكمة، وأفعل كل ما بوسعي لمحاولة إنهائها، ولكن في كل مرة لا أستطيع أن أكمل السعي.

كان حلمي أن ألتحق بكلية الهندسة، وكنت أريد فقط أن أفعل كل ما بوسعي، ولا تهمني النتيجة ما دمت قد بذلت كل ما أستطيع، وعندي يقين بالله أنه سيكرمني؛ لأن والدتي تعبت من أجلي، وفعلت كل ما بوسعها، ولكني لم أستطع، وكانت تتمنى أن أكون من الأوائل في الثانوية العامة.

أبكي كل يوم؛ لأنه لم يعد في وسعي أن أفعل شيئًا، برجاء الدعاء لي، وأن ألتحق بالكلية، جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، وندعو الله أن يحفظك، وأن يشرح صدرك، وأن يبارك في عمرك وعلمك، وأن يكتب لك التوفيق في الدنيا والآخرة.

أول ما أود أن أقوله لك: لقد سرّني كثيرًا ما لمسته في رسالتك من برك بوالدتك، وحرصك على تحقيق حلمها، وشعورك بالمسؤولية تجاه مستقبلك.

كما أعجبني قولك: "وكنت أريد فقط أن أفعل كل ما بوسعي، ولا تهمني النتيجة ما دمت قد بذلت كل ما أستطيع"، فهذه عقلية ناضجة، لكن يبدو أن ضغط الامتحان وكثرة التراكمات، جعلتك تشعر أنك ابتعدت عن هذه الفكرة.

وأحب أن أطمئنك إلى أمرٍ مهم: نعم، قد يوفق الله تعالى عبده بنتيجةٍ أفضل ممَّا يتوقع، فالله سبحانه واسع الفضل، وقد يبارك في ساعاتٍ قليلةٍ فيفتح فيها على صاحبها، ما لا يفتح له في أيامٍ طويلةٍ، لكن الله تعالى أمرنا أيضًا ببذل السبب، فقال سبحانه: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}، وقال جل وعلا: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}، فالتوكل الحق هو اجتماع السعي مع حسن الظن بالله تعالى، لا انتظار النتيجة دون بذل الوسع.

أنبهك إلى فكرةٍ قد تكون هي أكثر ما أتعبك: أنت لا تبكي اليوم لأن عندك دروسًا متراكمةً، وإنما لأنك تقارن نفسك بصورةٍ كنت رسمتها لنفسك منذ سنواتٍ، صورة الطالب الأول الذي سيدخل الهندسة بسهولةٍ، فلما وجدت الواقع مختلفًا شعرت وكأن كل شيءٍ انهار، لكن الحقيقة أن الامتحان لم ينته بعد، وما دام في الوقت بقيةٌ، فباب العمل ما زال مفتوحًا، ولا يجوز للإنسان أن يحكم على النتيجة قبل أن يسلم ورقة الإجابة.

وأوصيك من الناحية العملية بعدة أمورٍ:
• أولًا: توقف عن التفكير في المجموع النهائي الآن، وفكر فقط في الدرس الذي بين يديك، فالعقل إذا حمل همَّ العام كله عجز، وإذا حمل همَّ الساعة التي يعيشها استطاع الإنجاز.

• ثانيًا: لا تحاول إنهاء جميع التراكمات دفعةً واحدةً، بل قسّمها إلى أجزاء صغيرة، واجعل لكل جلسةٍ هدفًا واضحًا، كإنهاء درسٍ واحدٍ أو عددٍ معينٍ من المسائل، ثم انتقل لما بعده.

• ثالثًا: ضع برنامجًا يوميًا متوازنًا، فلا تجعل يومك كله دراسةً حتى لا تنهار، ولا كله راحةً حتى لا يزداد التراكم، خصص ساعاتٍ للتركيز، وبينها فترات راحةٍ قصيرة، ونم نومًا كافيًا؛ فإن العقل المرهق لا يحفظ ولا يفهم.

• رابعًا: لا تهمل حقوق والديك أو احتياجات البيت، لكن تحدث معهما بهدوءٍ، واطلب منهما أن يوفرا لك خلال هذه الفترة ساعاتٍ محددةً لا يقاطعك فيها أحد، فغالب الآباء والأمهات إذا رأوا الجد والاجتهاد أعانوا أبناءهم.

• خامسًا: ابتعد عن الهاتف ومواقع التواصل أثناء المذاكرة، واجعل له وقتًا محددًا بعد إنجاز المطلوب، فإن دقائق التشتت تتراكم حتى تضيع ساعاتٍ طويلةً.

• سادسًا: إن شعرت بالإحباط فلا تتوقف عن الدراسة، بل غيّر المادة، أو مكان المذاكرة، أو طريقة المراجعة، فإن تغيير الأسلوب أحيانًا يعيد النشاط.

• سابعًا: اجعل لك وردًا ثابتًا من القرآن ولو صفحةً واحدةً، وأكثر من الاستغفار والدعاء، لا على حساب وقت الدراسة، بل ليكونا معينين لك عليها.

وأحب أن أقول لك شيئًا يريح قلبك: لا تجعل دخول كلية الهندسة هو المقياس الوحيد لنجاح حياتك، نعم اسع إليها بكل قوةٍ، وابذل ما تستطيع، لكن إن قدّر الله تعالى لك غيرها بعد أن استنفدت وسعك، فاعلم أن الخير فيما اختاره الله تعالى، فقد يفتح لك في طريقٍ آخر ما لم يكن في حسبانك، قال تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.

وأخيرًا، دموعك على تقصيرك خيرٌ من برود القلب، لكنها ينبغي أن تتحول إلى وقودٍ للعمل، لا إلى سببٍ للتوقف، فلا تقل: "لم يعد في وسعي شيء"، بل قل: "سأبذل ما بقي من وسعي، وأفوض النتيجة إلى الله تعالى، وتذكر قول النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ»، فاجمع بين الحرص والاستعانة بالله تعالى، وترك العجز، وسترى -بإذن الله- أن الله تعالى لا يضيع تعب من صدق في الأخذ بالأسباب.

أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويقوي عزيمتك، ويبارك في وقتك، وأن يرزقك التوفيق في امتحاناتك، وأن يحقق لك ما فيه الخير، ويقر عين والدتك برؤيتك ناجحًا مباركًا، وأن يجعل نجاحك سببًا في مزيدٍ من القرب منه سبحانه.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً