الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بر الوالدين والصبر على أذاهما، خير من ارتكاب العقوق!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سأسأل سؤالًا يبقى في بالي طوال الوقت، وهو: لماذا يكون برّ الوالدين واجبًا تجاه أبٍ لا يمكن القول إنه أب إلَّا في البطاقة الشخصية؟ أبٌ يضرب، ويهين، ولا ينفق على البيت، ولا يعمل أصلًا، بل إن الأم هي من تعمل، بينما هو لا يقوم إلَّا بالأكل والشرب والنوم، مع الإضرار بالأم والأبناء.

لماذا يُطلب مِنَّا التعامل معه بالحسنى؟ إنه شخص نرجسي، وكلما حاول الإنسان برّه ازداد سوءًا، ولا يمكن الحوار معه بهدوء، يكون الشخص مدمَّرًا نفسيًا وجسديًا، ويكاد يفقد حياته بسبب هذا الأب، ثم يُقال له: عليك البرّ به، ونسأل الله أن يغفر له، وبعد ذلك يُستغرب لماذا يخرج بعض الناس عن الدين؟

عندما يُقال هذا لشخص مُنهك ومُتضرر، ألا يُخشى أن يدفعه ذلك إلى إيذاء نفسه، لأنه لم يجد حتى في دينه ما يواسيه في مسألة هو الأضعف فيها؟ ما الذي فعله هذا الأب حتى يُسمّى أبًا ويُطالب الأبناء ببرّه؟

أعرف الآية التي تأمر ببرّ الوالدين حتى لو جاهدانا على الشرك بالله، لكن الآية لم تقل إن على الإنسان أن يبقى صامتًا أمام العنف والإهانة وكأنه بلا مشاعر، مع الابتسامة والنصح المستمر، وكيف يمكن لشخص نشأ في بيئة كهذه أن يفهم معنى النصيحة أصلًا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حلا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة-، ونشكر لكِ ثقتكِ بنا في إسلام ويب، وجوابي لكِ على استشارتكِ كالآتي:

أولًا: لا بد من التوازن في كلام الإنسان وفعله؛ لأن الأبوة لا تسحب من الأب باعتبار قسوته وأخطائه، ولا يقال أب فقط بالبطاقة الشخصية، فمهما كان الأمر فالأب يظل أَبًا، والأم تظل أُمًّا، ولقد أوصى الله تعالى بالوالدين فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].

وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سألتُ رسول الله ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قلتُ: ثم أي؟ قال: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»... إلخ، (متفق عليه).

وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثم من؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثم من؟ قال: «أُمُّكَ». قال: ثم من؟ قال: «أَبُوكَ»، (متفق عليه).

وقد حذرنا نبينا الكريم محمد ﷺ من العقوق فقال: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِيدِ».

فحاولي إرضاء الوالدين، وقومي على خدمتهما، ولكِ الأجر العظيم، ولعل الله تعالى أن يسعدكِ في الدنيا والآخرة بسبب رضا الوالدين عنكِ، ولا تكوني سببًا في حزن الوالدين، وعليكِ بالبر ما استطعتِ إلى ذلك سبيلاً.

وتذكري أن والدكِ هو السبب في وجودكِ في هذه الحياة، ولا بد لكِ من تذكر إحسان الوالد إليكِ، إحسانه القديم لكِ بالقيام على شؤونكِ في هذه الحياة، لاسيّما في مرحلة صغركِ وضعفكِ.

ثانيًا: الوالدان ليسا كغيرهما، فقد أنزلهما الشرع الحكيم منزلة خاصة، وأوجب البر بهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين مجتهدين في سبيل إضلال ولدهما وصده عن الحق ورده من الإيمان إلى الكفر، كما قال تعالى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

فالمقصود من هذا كله بيان منزلة الوالدين وحقهما على ولدهما، وأنه لا يجوز للولد أو البنت الإساءة إلى الوالدين والسعي في إيذائهما أو إلحاق الضرر بهما وإن أساء إليكِ، مع بيان عدم جواز ظلم الوالدين للأبناء والبنات على حد سواء.

ثالثًا: ذكرتِ أمرًا عن الوالد أنه لا ينفك عن الإيذاء لكِ، وأنه يفرض رأيه ويظلمكِ في المعاملة دون مراعاة لمشاعركِ، وضربه الشديد واحتقاره إلى آخر هذا الكلام، فالدين لا يقر الأب على هذه الصفات، لكن مهما كان الأمر فهو في الأول والأخير هو أبوكِ، وسبب وجودكِ في هذه الحياة، ونسأل الله له الهداية وحسن المعاملة معكم.

رابعًا: أما علاج الضغط النفسي المستمر الذي تعانين منه بسبب والدكِ وقسوته، فلا بد من أن تأخذي بالأسباب التي تعينكِ على مدافعة هذا التوتر العصبي، والضغط النفسي وعلاجه يكون بالآتي:

١- التعبير عن الذات من الوسائل المهمة لتخفيف التوتر والعصبية.
٢- الإكثار من قراءة القرآن الكريم؛ فإنه يشرح صدور المؤمنين، ويخفف من التوتر وضغط النفس.
٣- الإكثار من الاستغفار، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِن كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، (رواه أبو داود).
٤- ممارسة الرياضة، ففيها تنفيس للإنسان.
٥- الأدعية المأثورة والتي منها ما جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ»، (رواه أبو داود)، وكذلك أيضًا هذا الدعاء: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ».

وهو ما ورد عن النبي ﷺ في دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي»، (صححه الألباني).

خامسًا: ابنتنا الكريمة، المطلوب منكِ عدم اليأس والقنوط، وعليكِ بالصبر والمصابرة في التعامل مع والدكِ، وعليكِ بتقبل النصيحة ولو كنتِ في بيئة الأب فيها ظالم، فعليكِ بالصبر الجميل، وفي مثل سنكِ المبكر -ولاسيّما في بداية مرحلة المراهقة- تكون الحساسية النفسية مرتفعة تجاه المواقف التي يشعر فيها الإنسان بأنه قد ظُلم أو انْتُقص من قدره، فتحتاجين إلى مهارة التجاهل، وضبط ردود الأفعال، والحرص على أسباب الراحة النفسية والإيمانية كما أشرتُ لكِ سابقًا.

نسأل الله تعالى أن يرزقكِ الصبر على معاملة الوالد، وأن يهديه ويلين قلبه لكم، وأن يرزقكِ البر بوالديكِ، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً