الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنصح أختي بعد أن فقدت الثقة بها؟

السؤال

السلام عليكم.

لدي أخت أكبر مني بعشر سنوات، لم تتزوج بعد، وقد مرت بعلاقات محرمة عديدة، وأمسكت بها، ولديها هواتف كانت تخبؤها عنا، أخذناها ولم نسلمها إياها، وللعلم الآن ليس لديها هاتف بسبب هذه المشاكل التي فعلتها، وأنا أشعر بالتوتر المفرط، والشك بها، ولا أستطيع أن أصدقها أبدًا.

حاولت نصحها كثيرًا، ولكنها لا تستجيب، عندما اكتشفت أن لديها هاتفاً، تنصّت عليها وهي تتحدث به، أخذته منها، ووجهت إليها النصح، فكانت تحلف لي بالقرآن بأنها لن تكررها، وبعد فترة اكتشفت أن لديها هاتفًا آخر.

لقد تعبت من هذه الأمور، ولا أريد أن أقول لأبي؛ لأن أبي مريض، وكبير في العمر، وقد تحدثت إلى والدتي، وهي لا تريدني أن أقول لأبي.

لقد تعبت من هذه الأخت؛ فهي تحلف بالكذب دائمًا، ولا أعلم ماذا أفعل! أتمنى أن تساعدونني في الحل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً -أخي الكريم-: نسأل الله أن يأجرك على حرصك الشديد على أختك، واهتمامك بأمرها، وسعيك المتواصل لنصحها وإبعادها عن الخطأ، ولا شك أن هذا من البر، والإحسان، وصلة الرحم، ومن أعظم القربات التي يؤجر عليها المسلم إذا أخلص النية لله تعالى.

ومع هذا الحرص المبارك، فمن المهم أن تنظر إلى المشكلة من جميع جوانبها النفسية، والتربوية، والدينية؛ حتى يكون التعامل معها أكثر حكمة وتأثيرًا.

أولًا: قد تكون المشكلة مرتبطة بجانب نفسي وعاطفي أكثر من كونها مجرد انحراف سلوكي؛ فأختك تجاوزت الثلاثين من عمرها، ولم تتزوج، ومن الطبيعي أن يكون لديها احتياج عاطفي فطري، وقد تستغل بعض العلاقات المحرمة هذا الاحتياج من خلال كلمات الإعجاب، والاهتمام، والثناء، فتجد فيها تعويضًا مؤقتًا لما تفتقده من مشاعر التقدير والاحتواء، كما لا يُستبعد وجود اضطرابات نفسية، أو تعلق عاطفي، يحتاج إلى تقييم من طبيب نفسي، خاصة إذا كانت هذه السلوكيات تتكرر رغم إدراكها لأضرارها، ورغم كثرة الوعود والتعهدات بتركها.

ثانيًا: لا يمكن إغفال جانب الوازع الديني، والخوف من الله تعالى؛ فالإنسان مهما واجه من ضغوط أو احتياجات، يبقى الإيمان ومراقبة الله من أعظم ما يحجزه عن الوقوع في الحرام؛ ولذلك فإن تقوية الصلة بالله عند أختك، والمحافظة على الصلاة، وسماع المواعظ المؤثرة، والارتباط بالبيئات الصالحة؛ كلها وسائل مهمة في العلاج والإصلاح.

ثالثًا: الفراغ من أكبر الأسباب التي تدفع إلى مثل هذه السلوكيات، خاصة إذا اجتمع معه الوحدة العاطفية، وسهولة الوصول إلى وسائل التواصل، وما فيها من محادثات، أو مثيرات للغرائز كالمسلسلات، والفيديوهات القصيرة التي تثير العواطف؛ ولذلك من المهم جدًا إشغال وقت أختك بما ينفعها، كالدراسة، أو العمل، أو الأعمال التطوعية، أو تشجيعها للالتحاق بتحفيظ القرآن، وحلقات العلم وسماع المحاضرات أو البرامج النسائية النافعة؛ فالانشغال بالخير يضعف دوافع الانشغال بالشر والخطأ، ويمنح الإنسان شعورًا بالقيمة والإنجاز والانتماء.

رابعًا: للبيئة المحيطة أثر بالغ في السلوك؛ فرفيقات السوء، والبيئة المحيطة التي لا تذكرها بالله، ولا تدفعها للأعمال الصالحة، ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي؛ كل ذلك وغيره قد يكون له دور كبير في استمرار المشكلة، ومن وسائل العلاج تنظيف البيئة من المفسدات وعمرانها بالخير والصالحات، فمساعدتها على تكوين صداقات صالحة، وربطها ببيئات نسائية مستقيمة، من الوسائل المهمة في التغيير.

خامسًا: ينبغي الحذر من أن يتحول النصح إلى توبيخ، وذم، ومراقبة دائمة، أو سوء ظن مستمر؛ فالتعامل القاسي، وكثرة الاتهام، والتذكير المتكرر بالأخطاء السابقة؛ قد يدفع بعض الأشخاص إلى مزيد من العناد والتخفي حال الخطأ، كما أنه يضعف ثقتهم بأنفسهم، ويجعلهم يشعرون أن التغيير مستحيل.

لذلك فإن الجمع بين الحزم والرحمة، وبين النصح والاحتواء، هو الأسلوب الأقرب للنصح والتوجيه، خاصة أن أختك أكبر منك سنًا، وربما ترى أنها أجدر بالثقة والاحترام.

أما بالنسبة لك شخصيًا: فيظهر من رسالتك أنك تعيش حالة من التوتر، والقلق، والشك المستمر، حتى أصبحت القضية تستنزف جزءًا كبيرًا من تفكيرك، وطاقتك النفسية، ومن المهم أن تدرك أن الهداية ليست بيدك، وأن مسؤوليتك هي بذل الأسباب المشروعة في النصح والإصلاح، لا تحمّل نتائج أفعال الآخرين؛ فاستمرارك في مراقبتها، والتفتيش وراءها؛ سيجعلك تعيش في قلق دائم، وقد يؤثر على حياتك، ومستقبلك، واستقرارك النفسي.

لذلك نوصيك بما يلي، حتى تقوم بدورك بشكل صحيح دون أن تفسد حياتك:

- توجيه النصح باللين والحكمة، وتخويفها من الله تعالى، ويمكن تذكيرها بما قد يلحق بها وبالأسرة من عار وأذى إذا هتك الله الستر، وافتُضح الأمر أمام الناس، وظهرت هذه السلوكيات للعلن؛ فالتنبيه إلى هذه العواقب قد يساعدها على الخروج من دائرة الشعور باللذة المؤقتة، إلى التفكير في النتائج والآثار السلبية التي قد تكون غائبة عن ذهنها.

- السعي الجاد إلى ربطها ببيئة صالحة من النساء، سواء من خلال حلقات القرآن، أو الأعمال التطوعية، أو البرامج التعليمية والتربوية النافعة، استعن بمن تقدر من محارمك كعماتك وخالات لدفعها لذلك.

- الحرص على سترها ما أمكن، وعدم توسيع دائرة المعرفة بالمشكلة دون حاجة؛ لأن الستر أدعى للتوبة والإصلاح.

- فتح حوار هادئ معها بعيدًا عن التهديد، والغضب، والاتهام، ومحاولة فهم الأسباب الحقيقية التي تدفعها إلى تكرار هذه العلاقات.

- اجعلها تشعر بحنان الأخ، وخوفك عليها، لتفتح لك قلبها؛ فمعرفة السبب خطوة أساسية في العلاج.

- زيادة الاحتواء الأسري، وإشعارها بقيمتها، ومكانتها داخل الأسرة، وإشراكها في الأنشطة العائلية، والزيارات، والرحلات المباحة، كالذهاب للعمرة ونحوه، وإظهار التقدير، والاحترام لها، كونها الأخت الكبيرة، فهذه الأمور تسد جانبًا من الاحتياج العاطفي الذي قد يدفعها للبحث عنه في أماكن خاطئة.

أما عن إخبار الوالد: فإن الأمر يقدَّر بقدره؛ فإذا كانت حالته الصحية لا تحتمل مثل هذه الأخبار، وكانت الوالدة على علم بالأمر، وتتابعه، فقد يكون من الحكمة عدم إخباره في الوقت الحالي، لكن إن تطورت المشكلة إلى أمور أخطر تهدد سلامتها، أو سمعة الأسرة، أو تعرضها للاستغلال والابتزاز؛ فلا بد من الاستعانة بولي أمر حكيم، أو أحد المحارم الموثوقين القادرين على التدخل والإصلاح.

وأخيرًا -أخي الفاضل-: تذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فابذل ما تستطيع من نصح ورفق ودعاء، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق، كما ننصحك بالاستعانة بأحد العقلاء من محارمها كخال أو عم ممن يُعرف بالحكمة وحسن التأثير؛ ليشاركك في النصح والمتابعة دون تصعيد أكبر، أو فضيحة.

أكثر من الدعاء لها في أوقات الإجابة، واطلب من والدتك أن تُكثف احتواءها، والاهتمام بها؛ فحنان الأم وقربها من ابنتها قد يكون له أثر كبير في علاج كثير من الجوانب العاطفية والنفسية.

وفقك الله ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً