الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد أن أتوب وأرجع للالتزام ولكن المغريات تعوقني، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد كنتُ ملتزمةً طوال عمري حتى ما قبل سنتين؛ حيث كنتُ في مرحلة الثانوية العامة (التوجيهي) وكنتُ بمفردي، وبدلاً من أن أنتبه لدراستي، انتبهتُ لأشياء أخرى، لم أكن أتخيل أنني سأتحدث مع شاب في حياتي، ولكن الذي حدث هو أنني تحدثتُ، وتحدثتُ مع أكثر من شخص، وفي كل مرة كنتُ أتوب ثم أعود إلى هذا الذنب، وخصوصاً إذا حدثت مشكلة بيني وبين عائلتي.

لستُ أدري ماذا أفعل، واليوم فكرتُ في أمرٍ: هل من الممكن ألا أتزوج لأنني أخطأتُ وتحدثتُ في الحرام؟ وأن هذا قد يكون عقابي؟ أو لأنني أخطأتُ فقد يحرمني الله من الزواج ويكون هذا عقابه لي؟ لستُ أدري، فأنا ضائعة، وهناك أشياء كثيرة في حياتي قد تغيرت، ولا أعلم كيف أعود أو أغير ما حدث.

الحياة كلها فتن، سواء من مساحيق التجميل (المكياج)، أو الملابس، أو العلاقات، أو تفاصيل حياتي؛ لذا أقول لنفسي أحياناً: (خلاصة القول، أريد أن ألتزم باللباس الشرعي وأغير كل شيء)، ولكنني أعود فأرى أن هناك أشياء جميلة في تلك الفتن.

لا أستطيع وصف ما أشعر به، لكنني خائفة ولا أريد الاستمرار على هذا الحال، كما أنني أشعر أن قلبي قد اعتاد على كل شيء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مها حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيكِ -أختي الكريمة-، نسأل الله تعالى أن يفرج همكِ، ويشرح صدركِ للتوبة، وييسر أمركِ، ويرزقكِ الصبر والتوفيق والسداد والثبات على الدين والهداية.

إن التغيير في النفس ممكن -بإذن الله تعالى-، وهو يسير إذا يسره الله، فاصدقي في اللجوء إلى الله تعالى، قال -صلى الله عليه وسلم-: (يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحف).

من أهم البواعث على التغيير، وترك المعاصي أن يتذكر الإنسان الحياء من الله الذي يراه، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، قال تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16)، علمًا أن هذه الحياة الدنيا ليست دار قرار، بل دار امتحان، فإن هذه الحياة تزول سريعاً وتذهب لذاتها كما تذهب مشاقها أيضًا؛ فتذكري عقاب الله تعالى، وما يليه من عدم توفيق في شؤون الحياة الدنيا، وبأن التوفيق فيها متعلق برضا الله.

وكذلك تذكري الدار الآخرة، والوقوف بين يدي الله، وأنها ستُنصب الموازين التي تكون نتيجتها دخول الجنة أو النار، كل ذلك يعد من أسباب كبح شهوات النفس الأمارة بالسوء، وتقوية مناعة المسلم الإيمانية تجاه وسوسة شياطين الإنس والجن.

وننصحكِ بزيادة الاستماع إلى المواعظ، والدروس العلمية التي تذكركِ بالدار الآخرة، فإن هذا يبعث في قلبكِ الخوف من الله تعالى، والحذر من الوقوع في معاصيه، تذكري دائمًا الموت ولقاء الله، واحذري على نفسكِ من سوء الخاتمة، فليس كل مسلم يُوفق لحسن الخاتمة، بل المسلم يموت على ما يعيش عليه، فاحذري من فوات وقت التوبة عليكِ، فلا تدرين متى كتب الله عليكِ الموت.

كما نوصيكِ بتعلم العلم الشرعي ودراسة أسماء الله وصفاته، فكما قال أحد الصالحين: (ما أطاع اللهَ إلا عالمٌ وما عصاه إلا جاهل)، فمن علم عظمة الله استعظم أن يعصيه.

وعليكِ -أختي الكريمة- أن تبحثي عن الأسباب التي أدت إلى هذه الانتكاسة بعد الاستقامة، فتشخيص المرض أهم خطوات العلاج، فإذا عرفتِ الأسباب سهل عليكِ القضاء عليها واحداً تلو الآخر، وابدئي بأقلها خطورة حتى تتخلصي منها كلها.

واستحضري دائمًا حسن الظن بالله تعالى، والثقة به، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وتذكري قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم.

ومن علامات قوة المؤمن: الصبر، ومجاهدة النفس ووساوس الشيطان، وهذه الصفات تمثل قمة القربات التي تؤهل المسلم لنيل رضا الله التي ينال بها توفيق الله له في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، وقال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)، وفي الحديث: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

ويجب أن تكوني على ثقة بأنكِ إن صدقتِ مع ربكِ فإن الله تعالى سينجيكِ من تلك الفتن، ويأخذ بيدكِ إلى برِّ الأمان، فاصدقي الله الندم على ما فات، والتوبة النصوح، وأقبلي على الله بقلبكِ وجوارحكِ، وفري إليه، فإنه لا ملجأ منه إلا إليه سبحانه.

واظبي على الدعاء بقلب حاضر، ونفس مخبتة، وبتذلل، ورغبة، وأحسني الظن بالله مع اليقين بأن الله الغفور الرحيم سيستجيب، مع تحري أوقات الإجابة، واتخذي من قيام الليل بين يدي الله أقصر طريق لمناجاته سبحانه وتعالى، واسألي الله أن يحبب إليكِ الإيمان، ويزينه في قلبكِ وجوارحكِ، وأن يكرِّه إليكِ الكفر والفسوق والعصيان، وكرري ذلك في كل ليلة ولا تستعجلي الإجابة.

وننصحكِ بالبحث عن رفقة صالحة، فللصحبة الصالحة التقية الطيبة أثرها البالغ في حياة الشخص واستقامته، وقد قال الله تعالى في كتابه: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الكهف:28، فإنهم خير عون للإنسان على طاعة الله تعالى، فاحرصي على مجالسة الصالحات، وشاركيهن في برامجهن النافعة، وإياكِ والرفقة السيئة، فلها خطر عظيم على استقامة الشخص؛ لأن الصاحب ساحب كما يقال، وربما كانت الرفقة السيئة من أسباب انحرافكِ.

وتذكري أنه لا سعادة تعدل سعادة الإيمان والقرب من الرحمن، ولذة الطاعة والعبادة، فالتقي هو السعيد، والمستقيم هو المطمئن المستريح، وقد طعمتِ ذلك فيما سبق من حياتكِ، والآن تذوقين شيئًا من الضنك والقلق بسبب البعد عن الله، وشتان بينهما، والعاقل من اعتبر واتعظ.

وأما عن خوفكِ من عدم الزواج كعقاب على ذنوبكِ، فتذكري قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، فتوبي إلى الله توبة نصوحًا واسأليه -جل جلاله- أن يرزقكِ الزوج الصالح الذي يعينكِ على الاستقامة.

واطلبي من والديكِ الدعاء لكِ بالثبات والاستقامة؛ لأن دعاء الوالد لولده لا يُرد، وضعي لنفسكِ برنامجًا إيمانيًا صارمًا حتى تعودي إلى ما كنتِ عليه.

ونسأل الله تبارك وتعالى أن يثبتكِ على الحق، وأن يهديكِ صراطه المستقيم، وأن يجنبكِ الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله -جل جلاله- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملأ قلبكِ خشية منه وإيماناً به، وحسن ظن به، وأدباً معه، وحياءً منه -جل جلاله-، وأن يردكِ إلى حالتكِ التي كنتِ عليها وأفضل، إنه جواد كريم.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً