الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أهلي لا يصلون ويمنعونني الصلاة في المسجد، فكيف أتعامل معهم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شابٌّ طالبُ علمٍ بدأ حديثًا في طلب العلم. سافرتُ مع أسرتي إلى أمريكا، وأنا أوسطُ إخواني، ولي أخٌ أكبر، وأخوان، وأخت، وأم وأب -حفظهم الله وهداهم-، وأرى كثيرًا مما لا يرضي الله، وهو كل يوم في ازدياد؛ من المعازف، والتبرج، حتى وصل الأمر إلى درجة ترك الصلاة.

وقد أمرتُ ونهيتُ باللطف، وبذلتُ المال والدنيا، وتوددتُ إليهم، وترفقتُ بهم، ودعوتُهم، ودعوتُ لهم ليلًا ونهارًا، وأتصدق بأموالٍ وأتوسل بها إلى الله لهدايتهم، وفي بعض الأحيان أستعمل الشدة والغلظة.

وفي مسألة ترك الصلاة حذرتهم، وأخبرتهم، وغضبتُ، وقلت لهم: إن ترك الصلاة كفر يخرج صاحبه من الإسلام -وإن كان تهاونًا، على حسب كلام كثير من أهل العلم ومنهم ابن باز رحمه الله-.

وقد ضاقت بي الحال معهم ظاهرًا وباطنًا -هداهم الله وغفر لهم-، وغضب والدي، وهناك أمور غير أخرى كثيرة مما أفعله فيغضبهم، وإني أخشى إن تركتُ ذلك أن أضل في هذه البلاد الموحشة؛ فلا صديق صالحًا، ولا مسجد قريبًا، وقد منعاني من التردد إلى المسجد، وهو -مع بعده- لي كسفينة نوح.

وبخصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فمرةً آمر وأنهى، ومراتٍ لا أفعل؛ لضعفٍ في إيماني، وخوفٍ تابعٍ لضعف الإيمان، ولا أعرف ماذا أفعل بعد الدعاء، هذا حالي في كل شيء، وقد تعبت من الحياة في هذه البلاد، ومطمحي فيها أن أكون ممن قال الله فيهم إنهم أهل أحسن القول، الذين يدعون إلى سبيله، ويقولون إنهم من المسلمين، ولكن والديَّ يمنعانني!

أعاني من قصر الوقت، وقلة البركة، فلا أعرف كيف أوازن بين طلب العلم، والعمل ثماني ساعات، وبين الدراسة -وأنا في عطلة حاليًا- أنا لا أريد إلا أن أتفرغ لطلب العلم الذي يوصلني إلى رضا الرحمن ودخول جنات النعيم، أسأل الرحمن أن أكون في الفردوس الأعلى، وأن أكون مع الصديقين والأنبياء والشهداء.

الطريق مخيف وصعب وطويل بالنسبة لي، فما إرشاداتكم -حفظكم الله ونفع بكم-؟ بعيدًا عن المجاملات، بل من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيرته، وسيرة من قبله من الأنبياء، وكلام السلف الصالح وقصصهم، وكلام العلماء وروائعهم، وغيرهم كشيخ الإسلام وتلميذه، وكل من سار على القرآن والسنة بفهم سلف الأمة.

وجزاكم الله خيرًا، وإن رأيتم خطأً في منهجي فأرشدوني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -ولدنا الحبيبَ- في استشاراتِ إسلامِ ويب، ونشكرُ لكَ تواصلكَ بالموقعِ، ونشكرُ لكَ حرصكَ على الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، ووعظِ أسرتكَ، ونصحهِم في تركِ هذه المنكراتِ العظيمةِ، وهي أمورٌ كبيرةٌ بلا شكٍّ، كما أوضحتَ في سؤالكَ.

ولكننا نضعُ بين يديكَ أمورًا لا بدَّ من الاعتناءِ بها والنظرِ إليها، لتكونَ عونًا لكَ على مواصلةِ الطريقِ الذي أنتَ فيهِ:

* أولُ هذه الأمورِ: أنه لا يأسَ في إصلاحِ أحدٍ من عبادِ الله تعالى؛ فإن قلوبَ العبادِ بين أصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ يقلبها كيفَ يشاءُ، واللهُ تعالى يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ، وكم قَصَّ اللهُ علينا في كتابهِ، وكذلك حفلتْ سيرةُ رسولِ اللهِ ﷺ بألَدِّ الناسِ خصومةً للإسلامِ وأهلهِ، ثم هداهمُ اللهُ تعالى فصاروا من أولياءِ الرحمنِ وأحبائهِ، فلا ينبغي لإنسانٍ أن يضيقَ ذرعًا، وأن ييأسَ من إصلاحِ أحدٍ من الناسِ.

* ثانيًا: المؤمنُ مبتلًى في هذه الدنيا بالتكاليفِ الشرعيةِ، ومن هذه التكاليفِ: الوعظُ والنصحُ للمسلمينَ، وتذكيرُ الغافلِ، وتنبيهه، وتعليمُ الجاهلِ، فإذا أدى هذه العباداتِ كما أمره اللهُ تعالى، فقد أدى ما عليهِ، بغضِ النظرِ عن النتائجِ، هل حصلتِ النتيجةُ أم لم تحصلْ؟ فهذا ليسَ إليهِ، وقد قال الشاعرُ:

عَلَى المَرْءِ أَنْ يَسْعَى إِلَى الخَيْرِ جُهْدَهُ * وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ تَتِمَّ المَقَاصِدُ

ومن العلاماتِ الدالةِ على إخلاصِ الإنسانِ للهِ تعالى وابتغائهِ وجهه، هو مواصلته لهذا الطريقِ رغمَ عدمِ وجودِ نتائجَ يراها بعينهِ، فإذا استمرَّ في هذا الطريقِ مع عدمِ وجودِ النتائجِ، فإنه بذلكَ يُبرهنُ على أنه يفعلُ ما أمره اللهُ تعالى طاعةً للهِ.

* ثالثًا: ينبغي أن تعلمَ -أيها الحبيبُ- أن حقَّ الوالدينِ عظيمٌ، فأمرهما بالمعروفِ ونهيهما عن المنكرِ لا بدَّ أن يكونَ بلطفٍ كبيرٍ، وألَّا يصلَ الإنسانُ في وعظهما ونصحهما إلى درجةِ إغضابهما؛ فإن العلماءَ يقولونَ: إن الولدَ يأمرُ والدهُ بالمعروفِ وينهاهُ عن المنكرِ ما لم يُغضبهُ، فإذا غضبَ الوالدُ سكتَ الولدُ؛ لأن إغضابَ الوالدِ هو في نفسه معصيةٌ، وأنتَ ترى في القرآنِ الكريمِ كيف قَصَّ اللهُ تعالى علينا مخاطبةَ إبراهيمَ -عليه الصلاةُ والسلامُ- لأبيهِ، فالأبُ يتوعَّدُ ويُهدِّدُ بالقتلِ، ويقولُ: {لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}، والولدُ يقولُ: {يَا أَبَتِ}، {يَا أَبَتِ}، {يَا أَبَتِ}، فيتلطفُ به غايةَ اللطفِ، كلُّ هذا يدلُّنا على منهجِ الأنبياءِ في دعوةِ الوالدينِ إلى اللهِ تعالى.

أمَّا طاعتهما في معصيةِ اللهِ تعالى فلا تجوزُ، فإذا نهاكَ الوالدُ أو الوالدةُ عن الذهابِ إلى المساجدِ لغيرِ خوفٍ مُبرَّرٍ، فإنه لا يلزمكَ أن تطيعهما في ذلكَ، ولا يلزمكَ أن تطيعهما في شيءٍ يُضعفُ دينكَ، ويُعرضكَ للخطرِ الدينيِّ، كنقصِ إيمانكَ، أو وقوعكَ في الفتنِ، ونحوِ ذلكَ، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ اللهِ تعالى، فمنعُكَ من التردُّدِ إلى المسجدِ إذا لم يكن مبررًا بخوفٍ عليكَ، فإنه لا يلزمكَ الطاعةُ فيهما، ولكن حاولْ أن تحسنَ إليهما بقدرِ استطاعتكَ في كلامكَ ونحوِ ذلكَ.

أمَّا الموازنةُ بين الأعمالِ وطلبِ العلمِ، فإن هذا يتأتى لكَ -بإذن اللهِ تعالى- إذا رتبتَ برنامجكَ اليوميَّ، وحاولتَ الاستفادةَ من ساعاتِ الفراغِ، وطلبُ العلمِ في هذه الأيامِ بوجودِ هذه الوسائلِ أصبحَ سهلاً يسيرًا، فاستعنْ باللهِ -سبحانه وتعالى- ورتِّبْ أوقاتكَ، وحاولْ أن تستفيدَ منها بقدرِ الاستطاعةِ؛ فإنكَ ستصلُ -بإذن اللهِ تعالى-.

نسألُ اللهَ -سبحانه وتعالى- أن يوفقكَ لكلِّ خيرٍ، وأن يتولى عونكَ ورعايتكَ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً