الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ضغوط العمل تجعلني في إنهاك وقلق دائم، فكيف أتصرف حيالها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في الآونة الأخيرة صرت أخاف من العمل، وفي أيام الأسبوع أنهض في الليل وأفكر في العمل، وتأتيني وساوس بأن شيئًا ما سيحدث، أو أن مشكلة ستحدث في العمل، وأحيانًا أعود إلى النوم، وأحيانًا أستغرق في التفكير.

وفي عطلة نهاية الأسبوع لا أفكر في العمل بتاتًا، وكذلك بعد الخروج من العمل في المساء لا أفكر فيه، لكن العمل أصبح يقلقني كثيرًا، وأصبح يُؤثِّر فيَّ بشكل كبير، وأعود إلى البيت متعبًا ومنهكًا.

أنا أعمل في مجال المالية، ولدي ضغوطات في العمل وقلق دائم، وكل هذه الأمور تتعبني نفسيًا، وقد قمت بقياس ضغط الدم مؤخرًا، فوجدته ١٠/٧، وربما يكون ذلك بسبب التعب والإرهاق.

التفكير يرهقني كثيرًا، أرجو منكم مساعدتي بحلٍّ واستشارة، وبارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صهيب حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات "إسلام ويب"، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

أخي الفاضل، إن ما ذكرته في سؤالك هو حالة شائعة، خاصة لدى الموظفين الذين يعملون في وظائف تتطلب دقة عالية، كالمالية، والمحاسبة، والتدقيق؛ حيث يكون الخطأ مكلفـًا.

لكن المشكلة -أخي الفاضل- ليست في الحرص نفسه، بل عندما يتحول إلى قلق نسميه "قلقـًا استباقيـًا"، أي: إن الإنسان يُفكِّر في ما يمكن أن يحدث في المستقبل؛ ممَّا يمكن أن يتعب الإنسان، ويضعف الأداء، ويسرق النوم من عيوننا.

أخي الفاضل، حاول أن تُفرِّق بين المسؤولية والقلق، نعم المسؤولية مطلوبة؛ فـ «إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ»، و«إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»، و«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، فالمسؤولية تساعدنا على العمل بإتقان، أمَّا القلق فلا يحل المشكلات، بل يستهلك طاقتك، فنعم يمكنك أن تكون مسؤولاً ودقيقـًا في عملك دون أن تعيش حالة الخوف هذه التي ذكرتها.

أخي الفاضل، لا تُرهق نفسك بمحاولة حل مشكلات الغد في الليل؛ الليل جُعل للراحة والسكون، وليس وقتًا مناسبًا لاستنزاف النفس في كثرة التفكير أو اتخاذ القرارات، فاجعل الليل فرصة لتهدئة النفس، واستعادة النشاط، ثم تعامل مع أمورك في وقتها المناسب، فإن الكثير من الأفكار التي تبدو صعبة في أوقات القلق تصبح أيسر وأوضح بعد الراحة، وقد قال الله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا}، وقال سبحانه: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ}، وقال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ}.

فاستعن بالله، وأعطِ نفسك حقها من الراحة، ولا تجعل ساعات الليل ميدانًا للصراع مع الأفكار والهموم، وخصص وقتـًا للتفكير في ما يقلقك، مدة عشر دقائق أو 15 دقيقة، فكِّر فيها فيما تريد، ثم أغلق الموضوع، وقل في نفسك: "سأناقش هذا في وقت القلق القادم".

أخي الفاضل، عندما تأتيك فكرة القلق الاستباقي هذا، وعندما تفكِّر بأن غدًا ستحدث كارثة، اسأل نفسك: "ما الدليل على أن كارثة ستحدث؟ كم مرة توقعت الكارثة ولم تقع؟ وإذا حدث خطأ، هل سيكون نهاية عملي أم يمكن تصحيحه؟" وغالبـًا ستكتشف أن احتمال الكارثة أقل بكثير مما تتخيل.

نقطة جوهرية -أخي الفاضل-: لا تجعل العمل يحتل كل حياتك، فالضغط المستمر يجعل الدماغ في حالة إنذار دائم، وممَّا يعينك: نمط الحياة الصحي، خذ وقتـًا يوميـًا للحركة والرياضة، تواصل مع أسرتك وأصدقائك، حاول أن تمارس نشاطـًا ممتعـًا خارج العمل، وحاول أن تقلل من التعامل مع البريد الإلكتروني أو الرسائل المهنية طالما هي خارج ساعات العمل.

وانتبه -أخي الفاضل- أننا أحيانًا نميل إلى الكمال، وخاصة في الوظائف المالية؛ حيث يسعى البعض إلى الكمال خوفـًا من الخطأ، ولكن هذا قد يسبب التردد والقلق والإنهاك.

أخي الفاضل، أنت لا تعاني لأن عملك صعب فقط، بل لأن عقلك يحاول أن يعيش مشكلات الغد من اليوم، وأحيانًا يعيشها عشرات المرات قبل أن تقع، وغالبـًا أنها لا تقع أصلًا.

أخي الفاضل، إذا كان عبء العمل غير واقعي، وتشعُر -كما ورد في سؤالك- أن عندك ضغوطـًا في العمل، فقد يكون من المفيد مناقشة ذلك مع مديرك، أو تُعيد تنظيم مهامك، فليس كل القلق نابعـًا منك كشخص، ولكن أحيانًا يكون نتيجة بيئة العمل نفسها، والتي بحاجة إلى تحسين وتطوير.

نقطة أخيرة -أخي الفاضل-: لا أعتقد أنك في هذه المرحلة تحتاج إلى علاجٍ دوائي، ما دامت الأعراض في حدود القلق الذي وصفته، وما دمت قادرًا على أداء عملك وحياتك اليومية، وإنما يكفيك -بإذن الله تعالى- ما ذكرناه لك من خطواتٍ عملية، مع الاستمرار عليها والصبر في تطبيقها؛ فالقلق من هذا النوع لا يزول بمجرد معرفة أسبابه، بل يحتاج إلى تدريب النفس على تغيير طريقة التفكير، وعدم الاستجابة للأفكار المخيفة كلما حضرت، ومع الوقت ستجد -بإذن الله تعالى- أن مستوى القلق يقل، وأن قدرتك على التعامل مع ضغوط العمل تصبح أفضل.

أدعو الله تعالى أن يكون فيما ذكرتُه لك عونـًا لك على تخفيف هذا الخوف والقلق، داعيـًا الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً