الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: [ ص: 546 ] وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب  إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط  إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب  قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب  فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب  يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب  

                                                                                                                                                                                                                                      وهل أتاك نبأ الخصم قال مقاتل : بعث الله تعالى إلى داود عليه السلام ملكين جبريل وميكائيل لينبهه على التوبة فأتياه في المحراب، وهو قوله: إذ تسوروا المحراب يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته، وإنما قال: تسوروا والخصم هاهنا اثنان؛ لأنه على مذهب من يجعل الاثنين جماعة، والمحراب هاهنا كالغرفة، قال محمد بن إسحاق : بعث الله تعالى إليه ملكين يختصمان إليه، مثلا ضربه الله له وأصحابه، فلم يرع داوود إلا بهما واقفين على رأسه في محرابه، فقال: ما أدخلكما علي؟ قالا: لا تخف.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 547 ] وهو قوله: إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى أي نحن، خصمان بغى بعضنا على بعض فجئناك لتقضي بيننا، وهو قوله: فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط يقال: شط الرجل وأشط شططا وإشطاطا إذا جار في حكمه وقضيته. قال المفسرون: لا تجر علينا، واهدنا إلى سواء الصراط احملنا على الحق، ولا تخالف بنا إلى غيره. فقال داوود : تكلما، فقال أحد الملكين: إن هذا أخي له أي: على ديني، له تسع وتسعون نعجة يعني امرأة، والنعجة البقرة الوحشية، والعرب تكني بها عن المرأة وتشبه النساء بالنعاج من البقر، وإنما عنى بهذا داود لأنه كانت له تسع وتسعون امرأة، ولي نعجة واحدة امرأة واحدة، فقال أكفلنيها ضعها إلي واجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها، وعزني في الخطاب قال عطاء ، عن ابن عباس : كان أعز مني وأقوى على مخاطبتي؛ لأنه كان الملك، والمعنى أنه كان أقدر على الخطاب بعزة ملكه.

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه القصة تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي أراد أن يتزوج بها. قال داوود : لقد ظلمك بسؤال نعجتك أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه، أي: إن كان الأمر على ما تقول فقد ظلمك أخوك بما كلفك من تحولك عن امرأتك ليتزوجها هو، وإن كثيرا من الخلطاء وهم الشركاء، واحدهم خليط، وهو المخالط في المال، يريد أن الشركاء كثير منهم يظلم بعضهم بعضا، وهو قوله: ليبغي بعضهم على بعض وظن داوود أنهما شريكان فلذلك قال: وإن كثيرا من الخلطاء وقوله: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي: فإنهم لا يظلمون أحدا، وقليل ما هم أي: هم قليل، يعني الصالحين الذين لا يظلمون، قال المفسرون: فلما قضى بينهم داوود عليه السلام نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء، فعلم داوود أن الله ابتلاه، وأن ما ذكر من القصة تمثيل لقصته هو.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: [ ص: 548 ] وظن داوود أنما فتناه أي: أيقن وعلم أنا ابتليناه بما وقع له من القصة، ونظره إلى المرأة، وافتتانه بها، وكان قد أعجب بعبادته، فلما ابتلي بها هويها وقال لزوجها تحول لي عنها، فعوتب على محبة امرأة من له امرأة واحدة، وله تسع وتسعون امرأة، فكان ذلك ذنبا من ذنوب الأنبياء التي يعاتبون عليها، وذلك قوله: فاستغفر ربه سأل ربه غفران ذلك الذنب.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 549 ] وخر راكعا قال ابن عباس : ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع لأن كليهما بمعنى الانحناء، وأناب رجع إلى ما يحب الله من التوبة والاستغفار.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري ، رضي الله عنه، أنا محمد بن يعقوب الأموي ، أنا الربيع ، قال: قال الشافعي ، رضي الله عنه: أخبرني ابن عيينة ، عن عبدة ، عن زر ، عن ابن مسعود : أنه كان لا يسجد في ص ويقول: إنما هي توبة نبي  فغفرنا له ذلك قال ابن عباس : غفر له ذلك الذنب.

                                                                                                                                                                                                                                      وإن له عندنا لزلفى لقربة ومكانة ومنزلة حسنة.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعيد بن محمد الزاهد ، أنا أبو علي الفقيه ، أنا إبراهيم بن عبد الله العسكري ، أنا محمد بن صالح ، حدثني محمد بن منصور البرداني ، عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار في قوله: وإن له عندنا لزلفى قال: يقول الله عز وجل لداود وهو قائم بساق العرش: يا داوود ، مجدني بذلك الصوت الرخيم اللين. فيقول: كيف وقد سلبتنيه في الدنيا؟ فيقول: إني أرده عليك، قال: فيرفع داوود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم أهل الجنة.  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: وحسن مآب يعني الجنة التي هي مآب الأنبياء والأولياء.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يا داوود أي: قلنا له يا داوود إنا جعلناك صيرناك، خليفة في الأرض تدبر أمور العباد من قبلنا بأمرنا، فاحكم بين الناس بالحق بالعدل الذي هو حكم الله بين خلقه، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قال مقاتل : لا يستزلنك الهوى عن طاعة الله. إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم [ ص: 550 ] الحساب قال عكرمة ، والسدي : في الآية تقديم وتأخير على تقدير: ولهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل، وقال الزجاج : أي بتركهم العمل لذلك اليوم صاروا بمنزلة الناسين، وإن كانوا ينذرون ويذكرون.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية