الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب  إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد  فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب  ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق  

                                                                                                                                                                                                                                      ووهبنا لداوود سليمان يعني ولدا، ثم مدح سليمان بقوله: نعم العبد إنه أواب راجع عما يكره الله إلى ما يحب، إذ عرض عليه بالعشي بعد العصر، الصافنات يقال: صفن الفرس يصفن صفونا إذا قام على ثلاث، وقلب أحد حوافره، والجياد جمع جواد، وهو الشديد الحضر من الخيل. قال ابن عباس : يريد الخيل السوابق إذا وقفت صفنت على أطراف حوافرها، عرضت عليه حتى شغلته عن صلاة العصر إلى أن غابت الشمس، فذلك قوله تعالى: فقال إني أحببت حب الخير يعني الخيل، والخيل مال، والخير بمعنى المال كثير في التنزيل. قال الزجاج : الخير هاهنا الخيل، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى زيد الخيل : زيد الخير ، وسميت الخيل خيرا لأن الخير معقود بنواصيها: الأجر والمغنم.  

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء : يقول: آثرت حب الخير، وكل من أحب شيئا فقد آثره، وقوله: عن ذكر ربي أي: على ذكر ربي، يعني صلاة العصر، حتى توارت [ ص: 552 ] بالحجاب حتى استترت الشمس بما يحجبها عن الأبصار.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الحسن : إن سليمان عليه السلام لما شغله عرض الخيل حتى فاتته صلاة العصر غضب لله تعالى، فقال: ردوها علي أي: أعيدوها علي، فطفق قال أبو عبيدة : طفق يفعل، مثل ما زال يفعل، وهو مثل ظل وبات، يقال: طفق يطفق طفقا وطفوقا، وقوله: مسحا أي: يمسح مسحا، أي يضرب، يقال: مسح علاوته أي: ضرب عنقه، وهذا قول الفراء ، وأبي عبيدة.

                                                                                                                                                                                                                                      قال الفراء : والمسح هاهنا القطع، والمعنى أنه أقبل يضرب سوقها وأعناقها؛ لأنها كانت سبب فوت صلاته، وهذا قول ابن عباس ، ومقاتل ، قالا: يريد قطع السوق والأعناق.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن : كسف عراقيبها، وقطع أعناقها، وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى. قال الزجاج : ولم يكن ليفعل ذلك إلا وقد أباح الله له ذلك. وجائز أن يباح ذلك لسليمان ويحظر في هذا الوقت، والسوق [ ص: 553 ] جمع ساق، مثل لاب ولوب.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية