وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون
[ ص: 422 ] وإذ تأذن ربك ، يعني قال ربك: ليبعثن عليهم ، يعني بني إسرائيل من يسومهم سوء العذاب، فبعث الله المسلمين عليهم، إلى يوم القيامة ما دامت الدنيا، من يسومهم سوء العذاب ، يعني يعذبهم شدة العذاب، يعني القتل، والجزية، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم .
وقطعناهم ، يعني وفرقناهم في الأرض أمما ، يعني فرقا، يعني بني إسرائيل، منهم الصالحون ، يعني المؤمنين، ومنهم دون ذلك ، يعني دون الصالحين، فهم الكفار، وبلوناهم بالحسنات والسيئات ، يقول: ابتليناهم بالخصب والشدة، لعلهم ، يعني لكي يرجعون إلى التوبة.
فخلف من بعدهم ، يعني من بعد بني إسرائيل، خلف السوء وهم اليهود، ورثوا الكتاب ، يعني ورثوا التوراة عن أوائلهم وآبائهم، يأخذون عرض هذا الأدنى ، وهي الدنيا ; لأنها أدنى من الآخرة، يعني الرشوة في الحكم، ويقولون سيغفر لنا ، فكانوا يرشون بالنهار، ويقولون: يغفر لنا بالليل، وإن يأتهم عرض مثله ، يعني رشوة مثله ليلا، يأخذوه ويقولون: يغفر لنا بالنهار، يقول الله: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ، يعني بغير ما يقولون، لقد أخذ عليهم في التوراة أن لا يستحلوا محرما، و أن لا يقولوا على الله إلا الحق في التوراة، ودرسوا ، يعني وقرأوا ما فيه ، ما في التوراة، والدار الآخرة ، يعني الجنة، خير للذين يتقون ، استحلال المحارم، أفلا تعقلون .
ثم ذكر مؤمنيهم، فقال: والذين يمسكون بالكتاب ، يعني يتمسكون بالتوراة ولا [ ص: 423 ] يحرفونه عن مواضعه، ولا يستحلون محرما، وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ، نزلت في وأصحابه. ابن سلام
وإذ نتقنا الجبل ، يعني وإذ رفعنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ، وذلك أن موسى، عليه السلام، حين أتاهم بالتوراة، وجدوا فيها القتل، والرجم، والحدود، والتغليظ، أبوا أن يقبلوا التوراة، فأمر الله الجبل عند بيت المقدس، فانقطع من مكانه، فقام فوق رءوسهم، فأوحى الله إلى موسى أن قل لهم: إن لم يقروا بالتوراة، طرحت عليهم الجبل، وأرضخ به رءوسهم، فلما رأوا ذلك أقروا بالتوراة، ورجع الجبل إلى مكانه، فذلك قوله: وظنوا أنه واقع بهم ، يعني وأيقنوا أن الجبل واقع بهم، يعني عليهم، خذوا ما آتيناكم بقوة ، ما أعطيناكم من التوراة بالجد والمواظبة، واذكروا ما فيه ، يقول: واحفظوا ما فيه من أمره ونهيه، لعلكم ، يعني لكي تتقون المعاصي.
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ، يقول: وقد أخذ ربك من بني آدم بنعمان عند عرفات من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم بإقرارهم، ألست بربكم قالوا بلى أنت ربنا، وذلك أن آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، وهم ألف أمة، قال: يا آدم: هؤلاء ذريتك أخذنا ميثاقهم على أن يعبدوني ولا يشركوا بني شيئا وعلى رزقهم، قال آدم: نعم يا رب، فلما أخرجهم، قال الله: ألست بربكم؟ قالوا: بلى الله عز وجل مسح صفحة ظهر شهدنا إنك ربنا، قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار، قالت الملائكة: قد شهدنا، يقول الله في الدنيا لكفار العرب من هذه الأمة: أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا الميثاق الذي أخذ علينا غافلين ، وأشهدهم على أنفسهم.
أو تقولوا لئلا تقولوا: إنما أشرك آباؤنا ونقضوا الميثاق، من قبل شركنا، ولئلا تقولوا: وكنا ذرية من بعدهم ، فاقتدينا بهم وبهداهم، لئلا تقولوا: أفتهلكنا بما فعل المبطلون ، يعني أفتعذبنا بما فعل المبطلون، يعني المكذبين بالتوحيد، يعنون آباءهم، كقوله: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون .
[ ص: 424 ] ثم أفاضهم إفاضة القدح، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، فهم أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة، وقال للسود: هؤلاء للنار، ولا أبالي، فهم أصحاب الشمال، وأصحاب المشأمة، ثم أعادهم جميعا في صلب آدم، عليه السلام، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج الله أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم تقوم الساعة، فذلك قوله: لقد أحصاهم يوم القيامة وعدهم عدا ، فمن مات منهم صغيرا، فله الجنة بمعرفته بربه، ومن بلغ منهم العقل أخذ أيضا ميثاقه بمعرفته لربه، والطاعة له، فمن لم يؤمن إذا بلغ العقل لم يغن عنه الميثاق الأول شيئا، وكان العهد والميثاق الأول حجة عليهم، وقال فيمن نقض العهد الأول: وما وجدنا لأكثرهم من عهد ، يعني من وفاء، يعني أكثر ولد آدم، عليه السلام، وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ، يعني لعاصين، وكذلك نفصل الآيات ، يعني هكذا نبين الآيات في أمر الميثاق، ولعلهم ، يعني لكي يرجعون إلى التوبة.