الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
قال أبو جعفر: ومن هذه الآية في عدد المدني الأول ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم فزعم قوم أنها ناسخة لقول الله جل وعز إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية  ورووا هذا عن ابن عباس.

قال أبو جعفر: وهذا مما لا يجوز فيه ناسخ ولا منسوخ؛ لأنه خبر ووعيد ونهي عن الظلم والتعدي فمحال نسخه فإن صح ذلك عن ابن عباس فتأويله من اللغة أن هذه الآية على نسخة تلك الآية فهذا جواب واضح منه ما عليه أهل التأويل.

[ ص: 637 ] 191 - قال سعيد بن جبير: " لما نزلت إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما اشتدت على الناس وامتنعوا من مخالطة اليتامى حتى نزلت ويسألونك عن اليتامى الآية.

فالمعنى على هذا القول: أنه لما وقع بقلوبهم أنه لا ينبغي أن يخالطوا اليتامى في شيء لئلا يحرجوا بذلك، فنسخ الله جل وعز ما وقع بقلوبهم منه أي أزاله بأن أباح لهم مخالطة اليتامى.

وبين مجاهد ما هذه المخالطة، فقال:

192 - "في الراعي والإدام"، ومعنى هذا أن يكون لليتيم تمر أو ما أشبهه ولوليه مثله فيخلطه معه فيأكلا جميعا فتوقفوا عن هذا مخافة أن يكون الولي يأكل أكثر مما يأكل اليتيم فأباح الله جل وعز ذلك إذا كان على جهة الإصلاح ولم يقصد فيه الإفساد ودل على هذا والله يعلم المفسد من المصلح .

193 - قال مجاهد: " ولو شاء الله لأعنتكم أي حرم عليكم مخالطتهم ".

قال أبو جعفر: فهذا الظاهر في اللغة أن تكون المخالطة في الطعام لا في الشركة؛ لأن مشاركة اليتيم إن وقع فيها استبداد بشيء فهي خيانة، وإن كانت [ ص: 638 ] الشركة قد يقال لها مخالطة فليس باسمها المعروف فثبت بهذا أنه لا ناسخ في هذا ولا منسوخ إلا على ما ذكرناه وقد قال بعض الفقهاء: وما أعرف آية في الوعيد هي أشد ولا أوكد على المسلمين من قوله جل وعز إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا .

والذين في اللغة عام فأوجب الله سبحانه النار على العموم لكل من فعل هذا والآية التي هي تتمة العشرين قد أدخلها العلماء في الناسخ والمنسوخ وإن كان فيها اختلاف بين الصحابة.

التالي السابق


الخدمات العلمية