الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي صلى الله عليه: أنه كان أسجر العينين.  

حدثنيه الثقة عن موسى بن زكريا التستري نا الحسن بن علي الواسطي نا خالد عن حميد عن أنس قال الأصمعي السجر أن يكون سواد العين مشربا حمرة يقال رجل أسجر وامرأة سجراء وقال غيره السجر والسجرة حمرة في بياض العين وهذا أشبه بمعنى الحديث لأنه قد روي في نعته: أنه كان أشكل العينين والشكلة: حمرة في بياض قال الشاعر:


فما زالت القتلى تمور دماؤها بدجلة حتى ماء دجلة أشكل

.

وأخبرني أبو بكر الخواري قال سألت أبا العباس أحمد بن يحيى عن قوله: أشكل العينين فقال كانت بعينيه سجرة فجعل السجرة والشكلة واحدة على خلاف مذهب الأصمعي ويقال إبل سجر أي حمر قال ذو الرمة [ ص: 213 ] :


إذا ما ادرعنا جيب خرق نحت بنا     غريرية أدم هجائن أو سجر

ويروى نجت بنا.

ومن نعوته صلى الله عليه: "أنه كان في خاصرتيه انفتاق".

حدثونا به عن أبي أمية الطرسوسي نا علي بن الجعد عن يزيد بن عياض أخبرني سعيد بن عبيد بن السباق عن أبي هريرة وذكر رسول الله صلى الله عليه فقال: "كان في خاصرتيه انفتاق" قال يزيد بن عياض معناه استرخاء.

وروي في حديث آخر: "أنه كان مفاض البطن" وهو أن يكون فيه امتلاء والعرب تمدح به السادة وتقول اندحاق البطن من علامات السؤدد وتذمه في النساء قال امرؤ القيس:


مهفهفة بيضاء غير مفاضة     ترائبها مصقولة كالسجنجل

وقد وصف صلى الله عليه في غير هذين الخبرين بالخمص وقد يتفق أن يجمع بين النعتين بأن يكون الضمر في أعلى البطن والوفور في أسفله يدل على صحة ذلك قوله: "كان في خاصرتيه انفتاق" .

ومنها خبر أنس "أنه كان أسمر" [ ص: 214 ] .

أخبرناه ابن الأعرابي نا محمد بن عيسى الحربي نا محمد بن خالد بن عبد الله الطحان عن أبيه عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله صلى الله عليه أسمر". وهذا خبر تفرد به خالد الطحان وفي نعت علي بن أبي طالب رسول الله "أنه كان أبيض مشربا".

وفي خبر آخر: "أنه كان أزهر اللون".

والسمرة لون بين البياض والأدمة وقد يجمع بين الخبرين بأن تكون السمرة فيما يبرز للشمس من بدنه والبياض فيما واراه الثياب ويستدل على ذلك بقول ابن أبي هالة في وصفه: "أنه كان أنور المتجرد" ويتأول قوله: كان أزهر على إشراق اللون ونصوعه لا على البياض.

وفيه وجه آخر وهو أنه مشرب الحمرة والحمرة إذا أشبعت حكت سمرة ويدل على هذا المعنى قول الواصف له لم يكن بالأبيض الأمهق .

ومنها ما روي عن بعض الصحابة قال رأيت رسول الله وافر السبلة .

أخبرني أبو عمرو المقري نا محمد بن إسحاق السراج حدثني أبو يحيى [ ص: 215 ] محمد بن عبد الرحيم نا قيس بن حفص نا سليم بن الحارث أخو خالد بن الحارث وعبد الصمد بن عبد الوارث نا جهضم بن الضحاك قال مررت بالرجيج فرأيت شيخا قالوا هذا العداء بن خالد قلت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم قلت: صفه قال: كان حسن السبلة قال: وكانت العرب تسمي اللحية السبلة .

وقد يدفعه قوم ويرونه مخالفا لسنته في قص الشوارب وليس بينهما خلاف وإنما يتوهم ذلك من أجل أن السبلة عند العامة الشارب وهي عند العرب مقدم اللحية قال الأصمعي السبلة ما أسبل من مقدم اللحية على الصدر يقال للرجل الطويل السبلة: إنه لأسبل ومسبل قال الشاعر:


ترى لحية الجرمي من تحت حلقه     فما نبتت من لؤم جرم سبالها

أي لحاؤها .

ومنها خبر جابر بن سمرة: "أنه كان أخضر الشمط".

حدثناه جعفر بن نصير الخلدي نا الحسين بن محمد بن الحسين بن مصعب نا إبراهيم بن يوسف نا ابن يمان عن إسرائيل عن سماك عن جابر وإنما كان يخضر شيبته بالطيب والدهن والنرجيل.

وروى ابن أبي خيثمة عن خلف بن الوليد عن إسرائيل عن سماك عن جابر قال: "كان رسول الله قد شمط مقدم رأسه ولحيته فإذا ادهن [ ص: 216 ] وامتشط لم يتبين وإذا شعث رأسه رأيته متبينا". والخضرة أيضا السواد ولا موضع له هاهنا.

ومنها في خبر لعائشة أنها قالت: "دخل علي رسول الله تبرق أكاليل وجهه".

يرويه عاصم بن علي عن ليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة .

وهي جمع إكليل تريد به ناحية الجبهة وما يتصل بها من الجبين كحديثها الآخر: "أنه دخل عليها تبرق أسارير وجهه"; وهي خطوط بين الحاجبين وقصاص الشعر وذلك أن الإكليل إنما يوضع هناك وكل ما أحاط بالشيء وتكلله من جوانبه فهو إكليل ويقال: إنما أخذت الكلالة من تكلل النسب.

التالي السابق


الخدمات العلمية