الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومن دلائل ما حدث بين يدي أيام مولده ومبعثه صلى الله عليه وسلم من الأمور الغريبة والأكوان العجيبة القادحة في سلطان أمة الكفر والموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم كأمر الفيل وما أحل الله بحزبه من العقوبة والنكال ومنها خمود نار فارس وسقوط شرفات إيوان كسرى وغيض ماء بحيرة ساوة ورؤيا الموبذان وغير ذلك،  ومنها ما سمعوه من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه والرموز المتضمنة لبيان شأنه ومنها انتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها عن أمكنتها يرى أو يظهر إلى سائر ما روي ونقل من الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعث نبيا وبعد ما بعث وهي في كتاب (الدلائل) مذكورة يتبع بعضها بعضا قال الشيخ أبو سليمان الخطابي رحمه الله فيما قرأت من كتابه ومن دلائل نبوته أنه وجد في بدء أمره يتيما ضعيفا عائلا فقيرا ليس له مال يستميل به القلوب ولا له قوة يقهر بها الرجال ولا كان في إرث ملك فتثوب إليه الأمال طمعا في درك الحال المتقدمة وعود الملك الموروث ولا كان له أنصار وأعوان يطابقونه على الرأي الذي أظهره والدين الذي دعى إليه فخرج على هذا الحال إلى العرب قاطبة وإلى الشعوب والقبائل كافة وحيدا طريدا مهجورا محقورا وهم مجمعون على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام مقيمون على عبادة الجاهلية في الحمية والعصبية والتعادي والتباغي وسفك الدماء وشن الغارات واستباحة الحرام لا يجمعهم ألفة دين ولا تمنعهم دعوة إمام ولا يكفهم طاعة ملك ولا يحجزهم عن سوء أفعالهم نظر في عاقبة ولا خوف عقوبة أو لائمة فألف قلوبها وجمع كلمتها حتى اتفقت الأراء وتناصرت القلوب وترافدت الأيدي وصاروا إلبا واحدا في نصرته وعنقا واحدا إلى طاعته وهجروا بلادهم وأوطانهم وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته ونبذوا الأصنام المعبودة وتركوا السفاح وكان مقتضى شهواتهم وشرب الخمر وكان وفق طباعهم والربا وكان معظم أموالهم وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته ونصبوا وجوههم لوقع السيوف بها في إعزاز كلمته بلا دنيا بسطها لهم ولا أمال أفاضها عليهم ولا عوض في العاجل أطمعهم في نيله من مال يحوزونه أو ملك أو شرف في الدنيا يحرزونه بل كان من شأنه أن يجعل الملك منهم سوية، الغني فقيرا، والشريف أسوة بالوضيع، فهل تلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله من قبل الاختيار العقلي أو التدبير الفكري أو من جهة الاجتهاد أو من باب الكون والاتفاق لا والذي بعثه بالحق وسخر له هذه الأمور ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك وإنما هو أمر إلهي وشيء غالب سماوي ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين، قال: وقد انتظم جملة ما ذكرناه في هذا الفصل قوله سبحانه وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم [ ص: 258 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية