الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد، ثنا أحمد بن عثمان الآدمي، ثنا ابن أبي العوام، ثنا موسى بن داود الضبي، عن معبد أبي عبد الرحمن، عن معاوية بن عمار، قال: سمعت جعفر بن محمد فقلت: إنهم يسألوننا عن القرآن، أمخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل  قال رحمه الله: وكذلك رواه سويد بن سعيد، عن معاوية بن عمار، عن جعفر الصادق، وكذلك رواه قيس بن الربيع، عن جعفر، فهو عن جعفر صحيح مشهور.

وقد روي ذلك عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين.

وروي عن الزهري، عن علي بن الحسين، ورويناه من أوجه عن مالك بن أنس، وهو مذهب كافة أهل العلم قديما وحديثا.

وقد ذكرنا أسامي أئمتهم وكبرائهم الذين صرحوا بهذا ورأوا استتابة من قال بخلافه في كتاب الأسماء والصفات، وروينا عن محمد بن سعيد بن سابق أنه قال: سألت أبا يوسف فقلت: أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق.

فقال: معاذ الله، ولا أنا أقوله .

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا عبد الله بن محمد الفقيه، أنا أبو [ ص: 108 ] جعفر الأصبهاني، أنا أبو يحيى الساجي، إجازة قال: سمعت أبا شعيب المصري، يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله يقول: "القرآن كلام الله غير مخلوق" وبمعناه رواه الربيع بن سليمان، عن أبي شعيب، عن الشافعي رحمه الله.

قال الأستاذ الإمام رحمه الله: وقد ذكر الشافعي رحمه الله ما دل على أن ما نتلوه من القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا ونكتبه في مصاحفنا يسمى كلام الله عز وجل، وأن الله عز وجل كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبمعناه ذكره أيضا علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة.

قال الشافعي رحمه الله في كتاب الجزية: من جاء من المشركين - قال: يعني الإمام - أن يجيره حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه كان ذلك فرضا على الإمام؛ لقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه .

وقال في كتاب الإيمان فيمن حلف أن لا يكلم رجلا فأرسل إليه رسولا: من قال يحنث ذهب إلى أن الله تعالى قال: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، وقال: إن الله تعالى يقول للمؤمنين في المنافقين: قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم ، وإنما نبأهم من أخبارهم بالوحي الذي تنزل به جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بوحي الله، قال: ومن قال: لا يحنث، قال: إن كلام الآدميين لا يشبه كلام الله عز وجل، كلام الآدميين [ ص: 109 ] بالمواجهة .

قال الأستاذ الإمام رحمه الله: وذكر باقي المسألة: وهو فيما قرأته على أبي سعيد بن أبي عمرو في هذين الكتابين أن أبا العباس محمد بن يعقوب حدثهم قال: أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي رحمه الله فذكره.

فقد سمى الشافعي رحمه الله على القولين جميعا ما نسميه من القرآن كلام الله، وأن الله كلم به عباده بأن أرسل به رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن كلام الآدميين وإن كان يكون بالمواجهة في الحكم في أحد القولين فكلام الله تعالى عباده قد يكون بالرسالة والوحي كما جاء به الكتاب، ويسمى ذلك كلاما وتكليما، والله أعلم.

وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل رحمه الله تعالى في كتابه: فإن قال قائل: حدثونا أتقولون: إن كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ؟ قيل له: نقول ذلك لأن الله قال: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ، فالقرآن في اللوح المحفوظ وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ، وهو متلو بالألسنة، قال الله: لا تحرك به لسانك لتعجل به ، فالقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة مسموع لنا في الحقيقة كما قال: فأجره حتى يسمع كلام الله .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في التاريخ، ثنا أبو بكر محمد بن [ ص: 110 ] أبي الهيثم المطوعي ببخارى، ثنا محمد بن يوسف الفربري، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: سمعت عبيد الله بن سعيد يعني أبا قدامة، يقول: سمعت يحيى بن سعيد يعني القطان، يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوقة قال أبو عبد الله البخاري: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله عز وجل بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم .

قال الشيخ الأستاذ الإمام رحمه الله: وهذا القول لا يخالف قول أحمد بن حنبل رحمه الله.

وقد روينا عنه في كتاب الأسماء والصفات أنه أنكر على تلميذه أبي طالب قوله: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكره الكلام في اللفظ .

وسمعت أبا عمرو الأديب يقول: سمعت أبا بكر الإسماعيلي يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن ناجية يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن، فهو كافر [ ص: 111 ] قال الشيخ رضي الله عنه: فإنما أنكر قول من تذرع بهذا إلى القول بخلق القرآن، وكان يستحب ترك الكلام فيه لهذا المعنى، والله أعلم .

[ ص: 112 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية