باب القول في قال الله عز وجل: إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار وجوه يومئذ يعني: يوم القيامة، ناضرة يعني: مشرقة، إلى ربها ناظرة ، وليس يخلو النظر من وجوه: إما أن يكون الله عز وجل عنى به نظر الاعتبار كقوله: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله: ما ينظرون إلا صيحة واحدة ، أو يكون عنى به نظر التعطف والرحمة كقوله: لا ينظر الله إليهم، أو يكون عنى الرؤية كقوله: ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ، ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: إلى ربها ناظرة [ ص: 121 ] نظر التفكر والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار، وإنما هي دار اضطرار، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار؛ لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، والآية خرجت مخرج البشارة، وأهل الجنة فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم والنعيم المقيم، فهم ممكنون مما أرادوا وقادرون عليه، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله: إلى ربها ناظرة نظر الانتظار؛ ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه كما قال تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء ، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء؛ ولأنه قال: إلى ربها ناظرة ، ونظر الانتظار لا يكون مقرونا بـ "إلى" لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار: "إلى" ، ألا ترى أن الله عز وجل لما قال: ما ينظرون إلا صيحة واحدة لم يقل: "إلى" ؛ إذ كان معناه الانتظار، وقالت بلقيس فيما أخبر الله عنها فناظرة بم يرجع المرسلون ، فلما أرادت الانتظار لم تقل: "إلى" .
قلنا: ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة؛ لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو أن معنى قوله: إلى ربها ناظرة أنها رائية ترى الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون معناه: إلى ثواب ربها ناظرة؛ لأن ثواب الله غير الله، وإنما قال الله عز وجل: إلى ربها ، ولم يقل: إلى غير ربها ناظرة، والقرآن على ظاهره وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة، ألا ترى [ ص: 122 ] أنه لما قال: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ، لم يجز أن يقال: أراد ملائكتي أو رسلي، ثم نقول: إن جاز لكم أن تدعوا هذا في قوله: إلى ربها ناظرة جاز لغيركم أن يدعيه في قوله: لا تدركه الأبصار ، فيقول: أراد بها: لا تدرك غيره، ولم يرد أنها لا تدركه الأبصار، وإذا لم يجز ذلك لم يجز هذا، ولا حجة لهم في قوله: لا تدركه الأبصار ، فإنه إنما أراد به: لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقا، كما قال: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون .
فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه، ولما قال في وجوه المؤمنين: وجوه يومئذ ، فقيدها بيوم القيامة ووصفها، فقال: ناضرة ثم أثبت لها الرؤية فقال: إلى ربها ناظرة ، علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعا بين الآيتين حملا للمطلق من الكلام على المقيد منه، ثم قد قال بعض أصحابنا: إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤية.
والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤية، فالله يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما، ومما يدل على أن الله عز وجل يرى بالأبصار قول موسى الكليم عليه السلام رب أرني أنظر إليك ، ولا يجوز أن يكون نبي من [ ص: 123 ] الأنبياء، قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين، يسأل ربه ما يستحيل عليه، وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا، وأن الرؤية جائزة على ربنا عز وجل، ومما يدل على ذلك قول الله عز وجل لموسى عليه السلام: فإن استقر مكانه فسوف تراني ، فلما كان الله قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين، وأنه جائز رؤيته، وقوله: لن تراني أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل ما مضى من الآية؛ ولأن الله تعالى قال: تحيتهم يوم يلقونه سلام ، واللقاء إذا أطلق على الحي السليم لم يكن إلا رؤية العين، وأهل هذه التحية لا آفة بهم؛ ولأنه قال: ولدينا مزيد ، وقال: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة .
وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله عز وجل، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار، ونحن ذاكرون أقوال بعضهم على طريق الاختصار، فقد أفردنا لإثبات الرؤية كتابا، وبالله التوفيق .