الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القنوط والحزن يسيطران علي ولست راضية بحياتي!!

السؤال

السلام عليكم

أشعر باليأس الشديد، وعدم الرضا عن حياتي، ولا أستطيع القيام بأي شيء مفيد، حاولت التخلص من هذا الشعور وتجاهله عن طريق الصلاة والدعاء، لكن الأمر يزداد سوءًا؛ فلا أشعر بالسكينة ولا الطمأنينة، وأدعو وأنا أقول في نفسي: إن الله لن يستجيب، أعلم أن هذا سوء ظن مني، لكنني لا أستطيع أن أشعر بغير ذلك وأنا أدعو.

أشعر بالتشتت والحزن طوال الوقت، وأفكر أنه حتى لو أكرمني الله وأعطاني ما أطلبه، فلن أكون راضية أو سعيدة عن حياتي، لم أعد أحب القيام بالعبادات، وأحسها ثقيلة على نفسي، وأؤديها بلا رغبة.

حاولت الاستماع إلى المحاضرات الدينية كي أزيد إيماني، وأهون على نفسي، لكنني بدأت أشعر أنني لا أصدق أي كلام عن التفاؤل والفرج، وأظن أن العسر والضيق سيلازماني طوال حياتي.

أعلم في قرارة نفسي أن كل شيء فيه خير، لكنني لا أستطيع التوقف عن الشعور بالحزن وعدم الرضا والتوكل؛ لأنني أتألم ولا أعلم كيف أتخلص من هذه الأفكار، وتأتيني أفكار أن هذا كله لتعذيبي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Nuha حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ أختي الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل، ونسأله سبحانه أن يعينك على تجاوز هذا الحال، وييسر لك بناء نفسك ومواجهة ما تعاني منه.

بدايةً أختي الكريمة: ما عبّرتِ عنه من حزنٍ عميق، ويأسٍ داخلي، وثِقَلٍ في العبادة، وشعورٍ بعدم الرضا، ليس مسوغاً لليأس من العلاج، ولا علامة بُعد عن الله، بل هو دليل نفسٍ تتوق إلى الخير والبناء، فهذا نداء النفس اللوّامة في قلبك قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، وهي النفس التي تلوم صاحبها على التقصير، وتدفعه لمراجعة نفسه والبحث عن طريق النجاة.

أختي الفاضلة: يتضح من سؤالكِ أنكِ تبذلين جهدًا حقيقيًا في إصلاح نفسك، وبذل الأسباب الممكنة للعلاج، ومن ذلك أداء الصلاة والدعاء وسماع المواعظ، لكنكِ لا تجدين الأثر المرجو؛ مما زاد حزنكِ، فتسلل إلى قلبك شعور باليأس والقنوط.

أختي الكريمة: كثيرًا ما يعجز الإنسان عن معرفة مواضع الخلل، كما يمكن أن يضل القلب عن بداية الطريق إلى الله، حتى يصل لقناعات تفسد عليه إصلاح نفسه -والعياذ بالله- لذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (وقني شر نفسي).

أختي الفاضلة: ما تمرين به هي حالة تُسمّى "العجز" وهو داء شائع، وخطير النتائج، لكن السيطرة عليه يسيرة على من اجتهد وبادر، وأخلص لله تعالى.

فالعجز في حقيقته "ضعف الإنجاز"، وتتمثل آثاره في عدم القدرة على القيام بالأعمال أو إتمامها على الوجه المطلوب، وتتنوع صوره ودرجاته، لكن نتائجه واحدة، ومن مظاهره: ضعف الإنتاجية، وعدم الرضا، واليأس، والتشتت الداخلي، ومن أخطر آثاره شعور الإنسان بأن حياته بلا معنى، ولا قيمة، مع انعدام الثقة بالنفس؛ وكل ذلك نتيجة غياب مشاعر الإنجاز الذي تبنى فيه الثقة بالنفس والتقدير للذات، ومع طول البقاء على هذا الحال تتولد مشاعر الضياع واللامعنى، وضعف الثقة بالنفس، والقنوط، وعدم الرضا.

وبالتالي فعند علاج العجز وأسبابه، تنفك كثير من المشكلات النفسية المصاحبة له؛ لذلك في سبيل تحقيق العلاج والخروج من هذا الداء لا بد أن تعلمي -أختي- أن النفس هي الوعاء الذي تُبنى عليه الأعمال، فإذا كان الوعاء غير صالح أو متهالك لم تُثمر الأعمال، ولم تظهر آثارها بشكل يحقق الغاية، ولذلك لا بد من إصلاح النفس أولاً قبل الاكتفاء بإصلاح الظاهر، أو الأداء الشكلي.

وهذا هو المنهج النبوي في بناء النفوس وإيقاظ الهمم؛ فقد مكث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يربي الصحابة على التوحيد وأعمال القلوب، كالتوكل والإخلاص والرضا والتقوى والمراقبة، فخرج جيلٌ عظيم قامت به الأمة.

أختي الفاضلة: علاج العجز يحتاج إلى إرادة صادقة، وخطوات عملية، ومبادرة حقيقية للتغيير، فمجرد التمني وحده لا يكفي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وفي سبيل ذلك نضع بين يديك مجموعه من الخطوات التي نرجو من الله أن ينفعك بها:

أولاً: العلاج النبوي للعجز، من أعظم العلاج وأنفعه ما دلّ عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: (الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).

ويُستفاد منه أمور:
- التعامل مع العجز بقوة، وحزم، ومبادرة، واجتهاد، وعدم الاستسلام، وهذا حال المؤمن القوي.

- ثم الحرص على ما ينفع، وعدم الاستسلام الكلي للعجز، فهناك جوانب لا يصل إليها العجز يمكن أن تبني النفس، وتعيد إليها توازنها، والاستسلام الكلي للعجز يشل القدرة في التخلص منه.

- ثم بذل المستطاع والمقدور عليه دون طلب الكمال مما يجعل النفس تتقبل أي خطأ أو تقصير، وهذا سيثمر الرضا بأقدار الله، وحسن الظن به.

- ترك لغة اليأس والتشاؤم والتحسُّر على ما فات فإن" لو" وما يشابهها تفيد الحسرة، وعدم رضا، كما أنها تقدم رسائل خفية للعقل الباطن مليئة باليأس والقنوط، فيعجز عن إيجاد الحلول والبحث عن مواطن الفرج، وهذا الأمر يُدخل الإنسان في أخطر مرحلة، وهي "عمل الشيطان" والذي يستغل هذا الضعف فيبادر إلى دفع الإنسان الى اليأس والقنوط، حتى يصل به إلى النفور من الدين وتعاليمه، وإيهامه أن العبادات والذكر والشرع بلا فائدة، ولا يساعده في الخلاص من مشاكله -والعياذ بالله- أو لا يحقق له الحياة الطيبة.

ثانيًا: أثر الدعاء والتضرع الدائم لله: كما يُستعان بالدعاء، والاستعاذة من العجز والكسل، ففي دعاء النبي المأثور: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ..).

ثالثًا: تصحيح المفاهيم والمعتقدات: من العلاج كذلك تصحيح مفهوم الخطأ والإخفاق؛ فليس كل إخفاق يعني فشلًا، بل هو تجربة وخبرة تُكسب الإنسان قدرةً أفضل على التعامل مع المستقبل، والخطأ ينبغي أن يكون معلّمًا لا عائقًا، فالحياة قائمة على الكبد والتجارب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.

رابعًا: لا بد من الانضباط والمجاهدة والصبر؛ فاستعجال النتائج من أعظم أسباب العجز، والنفس تحتاج إلى تهذيب ومجاهدة حتى تستقيم، كما أن شؤون الحياة لا تُنال إلا بالمجاهدة والسعي والصبر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.

خامسًا: التفاؤل والطمأنينة ليست مشاعر مستقلة بذاتها، ولكنها ثمرة عمل وسلوك، قال تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، فالحياة الطيبة نتيجة للعمل الصالح، وزكاة النفس من البخل والأنانية تكون بالعطاء والبذل، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.

أختي الفاضلة: أنتِ قادرة على رفع راية الاستسلام واليأس، والاستمرار في الشكوى من العجز، وأنتِ –في المقابل– قادرة على فتح صفحة جديدة، وإعلان المجاهدة والصبر، والسير في طريق بناء الذات، ومحاربة أسباب العجز ومقاومتها، والفرق بين الطريقين ليس في القدرة، بل في المبادرة، وإعلان التحدي، والاستعانة الصادقة بالله تعالى، ولبناء الهمة في القلب لا بد من سلامته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

أخيرًا: أختي الفاضلة: إياكِ أن تفتحي باب اليأس؛ فإن اليأس من أعظم مداخل الشيطان، ولن يتوقف الشيطان حتى يدخل إلى قلبك القنوط واليأس، ثم يوقعك بما هو أعظم، والعياذ بالله.

تذكري دائمًا أن الله كريم، حليم، لطيف بعباده، يفرح بتوبة التائب، ويعينه عند رجوعه وسعيه إلى الله، وإذا رأى من عبده صدقًا في الطلب، أعانه وفتح له الأبواب، وما عليك إلا المبادرة والبحث عن مواطن الخلل بصدق وتجرد، ثم إصلاحها، الجئي إلى الله بصدق، واختلي به في جوف الليل، وبُثِّي له همك بتضرع وخشوع، ثم اطرقي باب الأسباب العملية.

وفقكِ الله، ويسر أمركِ، وأعانكِ على الخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً