الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفكير مفرط وتحليل مستمر واسترجاع متكرر للماضي..كيف الخلاص؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أكتب إليكم وأنا أعاني من تعب نفسي شديد ومتراكم منذ سنوات، وقد وصلت إلى مرحلة لم أعد أستطيع فيها التحمل وحدي، لذلك أبحث عن استشارة وتوجيه، يساعدني على فهم حالتي والخروج مما أنا فيه.

مشكلتي الأساسية أنني أعيش أغلب وقتي داخل رأسي، أعاني من تفكير مفرط، وتحليل مستمر، واسترجاع متكرر للماضي، وصناعة سيناريوهات لا تنتهي، أشعر بشرود دائم، وتقلّب كبير في المشاعر، وكأن عقلي لا يتوقف، مما يرهقني نفسياً وجسدياً، ويجعل حياتي اليومية صعبة.

هناك أحداث مؤلمة في حياتي، تعود باستمرار وتسبب لي حزناً عميقاً، من أكثرها إيلاماً فقداني لعذريتي بدون زواج، وبدون علاقة جنسية، في الطفولة، وهو أمر شكّل صدمة لي وأثر على نظرتي لنفسي، زاد هذا الألم عندما أخبرت خاطبي السابق بما حدث، لكنه لم يتقبّل الأمر رغم أنه هو نفسه كان قد مارس علاقات خارج إطار الزواج؛ مما جعلني أشعر بالظلم والعار وفقدان الأمان، كما أن علاقتنا انتهت فجأة وبدون تفسير واضح، ولا أزال أعاني من أثر هذه النهاية.

إضافة إلى ذلك، أعاني حالياً من مشكلة كبيرة في التعلم والاستيعاب والتركيز؛ أنسى بسرعة ما أدرسه، وأجد صعوبة في التركيز حتى في أبسط الأمور؛ مما أثّر بشكل مباشر على دراستي وثقتي بقدراتي، هذا الضعف في التركيز يمتد أيضاً إلى حياتي الاجتماعية، إذ أجد صعوبة في الجلوس مع الناس بسبب الشرود، أو التوتر، ومراقبة نفسي.

ازدادت حالتي سوءاً بعد انتقالي للعيش في بلد آخر من أجل الدراسة، لا أعمل حالياً وأعيش على مدخراتي، وأشعر بخوف شديد من المستقبل وعدم الاستقرار، مع عجز واضح عن الإقدام على أي خطوة عملية، وكأنني في حالة شلل نفسي.

أشعر بوحدة شديدة، ولا يوجد شخص أستطيع أن أحكي له كل ما بداخلي، أحياناً أشعر بتحسن مؤقت، لكنه لا يدوم، وسرعان ما أعود إلى القلق والتفكير المفرط.

سؤالي:
هل ما أعانيه له تفسير نفسي واضح؟
وهل ضعف التركيز والتعلم مرتبط بحالتي النفسية؟
وكيف أستطيع التوقف عن العيش داخل رأسي والتعامل مع الشعور بالذنب، والعار، والخوف من المستقبل؟

مع العلم أن حالتي هذه بدأت بنوبات هلع و خوف شديدين، منذ سن السادسة عشرة.

جزاكم الله خيراً، وشكراً لنصحكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمل .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لكِ العافية والشفاء.

رسالتكِ واضحة جدًّا -أيتها الفاضلة الكريمة- فمن الواضح أن شخصيتكِ تحمل ما نسميه بالنواة القَلَقية القوية، وهذه سمة من سمات الشخصية، والقلق قد يكون مهيمنًا على بعض الناس لدرجة مزعجة، ومن أهم سماته -كما تفضلتِ- أنه يُؤدِّي إلى التفكير المفرط، ويؤدِّي تقريبًا إلى شَلِّ الحركة الفكرية عند الإنسان من خلال التحليل الذي لا ينتهي، ويكون هناك استحواذ وهيمنة شديدة للأفكار على الإنسان، وكثيرًا ما تأخذ هذه الأفكار الطابع المتكرر والوسواسي.

فإذًا: البناء النفسي لشخصيتكِ هو الذي جعلكِ قابلة لهذا النوع من القلق، وأنت تفضلت وذكرتِ في آخر رسالتكِ أنكِ مررتِ أيضًا بنوبات هلع وخوف شديدين في سن السادسة عشرة؛ وهذا يؤكد ما قلناه من أن قابليتكِ واستعدادكِ للقلق موجود أصلًا.

بالنسبة طبعًا لموضوع فقدان العذرية: هو أمر مؤسف ولا شك في ذلك، لكن الإنسان لا يعيش في حسرات وضعف الماضي، بل يجب أن تعيشي في قوة الحاضر، الآن أنتِ في سن تؤهلكِ للتفكير الإيجابي لموازنة الأمور، والشعور بالذنب أحسبُ أنه شرط من شروط التوبة، وهذا -إن شاء الله تعالى- خير لكِ؛ لأن النفس اللوامة حين تهيمن على النفس الأمّارة بالسوء، هذا نعتبره الخطوة الأولى نحو بناء وتكوين النفس المطمئنة بإذن الله تعالى.

أقترح عليك أن تعرضي نفسكِ على طبيبة نساء وولادة -هذا أفضل-؛ ليتم فحصكِ، ولتتأكدي هل فعلاً فقدت عذريتك أم أنها مجرد أوهام، خصوصاً أنك قلت إنك فقدتها بدون زواج أو علاقة جنسية، وذلك في طفولتك، فلعل ذلك قد يكون وهماً، والطبيبة سوف توضح لك الحقيقة، وتنصحكِ بما هو مطلوب بعد تحديد درجة فقدان العذرية -إن كنت فقدتها فعلاً-، وهذه الأمور تعامل -الحمد لله- بسرية مطلقة من جانب الأطباء المحترمين.

لا شك أن لكِ آمالاً وأهدافاً، وقد أعجبني تمامًا أنكِ الآن منخرطة في الدراسة، وهذا أمر ممتاز، ويجب أن تستفيدي من هذا الوضع، تستفيدي من قوة الآن؛ لأن الماضي ضعيف، والحاضر قوي، لأننا نستطيع أن نتحكم فيه، ونستطيع تحسينه بعد توفيق الله، وكل الذي أرجوه منكِ هو تنظيم الوقت، وتجنب السهر، وممارسة تمارين الاسترخاء يوميًا بمعدل مرتين أو ثلاث، وتوجد برامج كثيرة جدًّا على اليوتيوب، توضح كيفية ممارسة تمارين الاسترخاء، خاصة تمارين شد العضلات وإطلاقها، وتمارين التنفس المتدرج مع التأمل، هذه مفيدة جدًّا، وتفيد كثيرًا في حالات القلق الذي تعانين منه، وطبعًا ممارسة أي رياضة تناسب الفتاة المسلمة أيضًا أنصح بها في مثل حالتكِ.

أريدكِ أن تنخرطي في برنامج إسلامي صغير: حاولي أن تحفظي أربعين حديثًا في ظرف ثلاثة أشهر، وحاولي أن تحفظي ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم في ظرف أربعة أشهر مثلًا، اجعليها أهدافًا، وهذه أهداف راقية جدًّا، وتُحسِّن التركيز مع تمارين الاسترخاء.

والبشرى الكبرى التي أريد أن أقولها لكِ: أن هناك أدوية مفيدة لحالتكِ، والدواء الذي أفضله يُعرف باسم (سيرترالين - Sertraline)، دواء واحد رائع وسليم وفعّال، وغير إدماني، ولا يؤثر على الهرمونات النسائية، فقط ربما يزيد الشهية نحو الطعام قليلًا، أو يؤدي إلى شراهة بسيطة نحو الحلويات، وإن حدث شيء من هذا، فيجب أن تتخذي التحوطات اللازمة للتحكم في وزنكِ.

الجرعة من السيرترالين هي:
• نصف حبة (25 ملغ) يوميًا لمدة عشرة أيام.
• ثم حبة واحدة يوميًا (50 ملغ) لمدة شهر.
• ثم حبتان يوميًا (100 ملغ)، وهذه الجرعة الوسطية، علمًا بأن الجرعة الكلية هي (200 ملغ) في اليوم، لكن لا تحتاجين لهذه الجرعة الكبيرة، فقط الجرعة الوسطية (100 ملغ) هي التي سوف تجعلكِ في حالة من التحسن والاسترخاء النفسي الكبير.
• استمري على جرعة 100 ملغ لمدة ثلاثة أشهر.
• ثم خفّضيها إلى 50 ملغ يوميًا لمدة ثلاثة أشهر أخرى.
• ثم نصف حبة (25 ملغ) يوميًا لمدة شهر.
• ثم (25 ملغ) يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين.
• ثم توقفي عن تناول الدواء.

أرجو أن تأخذي بكل ما ورد في هذه الاستشارة، وأسأل الله تعالى أن ينفعكِ بها، ونشكركِ كثيرًا على ثقتكِ في إسلام ويب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً