الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أصبحت أفكر في الطلاق لأن زوجي مقصر في النفقة، فما نصيحتكم لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

زوجي يعمل بعيدًا عن المنزل بحوالي 200 كم، ويأتي في الشهر ثلاثة أيام فقط، وعندما يأتي لا يصرف بشكل كامل، وعند ذهابه لا يترك لي المصاريف التي أحتاجها، لدي ثلاثة أولاد، وأنا موظفة، وبالتالي باقي المصاريف أتحملها أنا: من مأكل، وفواتير الكهرباء والماء، وملابس الأولاد، وإيجار المنزل، كلها عليّ.

في كل مرة أقول له: لماذا تتغرب وفي النهاية لا تصرف؟ إذا كان تغرّبك من أجل قوت العيش، فلماذا تعود بلا شيء؟ الأفضل أن تبقى وتعمل في بلدك، فقد تعبت من تحمّل كل المسؤولية، إضافة إلى التربية، وتدريس الأولاد، والعلاج في حالة المرض، وتأمين احتياجاتهم.

قال لي مرة: "توقفي عن العمل، لا أريد زوجة تعمل"، كيف ذلك وهو لا يستطيع دفع إيجار المنزل، فما بالك ببقية اللوازم؟ علمًا أنه مدمن على "الشمة" (نوع من التبغ)، وعندما خاصمته بسببها قال إنه توقف عنها بإرادته؛ لأنه يعتبرها ضياعًا لآمال أولاده الذين لهم الحق قبله.

إضافة إلى ذلك، هناك السب والشتم أمام الأولاد دون أي احترام لي، لذلك أفكر في الطلاق، فقد تعبت، ومع كل هذا يقول لي: "أنتِ رجل ولستِ أنثى".

فماذا تنصحونني؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سهام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله أن يُصلح حال زوجكِ وأن يرده إلى الصواب ردًّا جميلًا، ويُديم الألفة بينكما، ويحفظ عليكما أسرتكما، ويُعينكما على تربية الأبناء والبنات تربية صالحة طيبة.

نحن نتفهم مدى المعاناة التي تعيشينها –ابنتنا الكريمة– بسبب قيامكِ بدور الأب والأم في الأسرة، ونسأل الله تعالى أن يُهون عليكِ الأمر، ويُعينكِ على تربية أبنائكِ، ويُخلف عليكِ خيرًا في كل ما تقدمينه من أجلهم.

ونود أولًا –أيتها البنت العزيزة– أن نذكركِ بأن إحسانكِ لأولادكِ وقيامكِ عليهم هو عمل صالح تؤجرين عليه، خاصة إذا أحسنتِ النية، وقصدتِ بذلك إعفاف أبنائكِ، والقيام بحقهم، وحسن تربيتهم؛ فإن هذا يُضاعف الأجر ويُعظم العمل، فاستعيني على تهوين المصاعب بتذكُّر الأجر والمثوبة، فإن ذلك يُهونها ويُيسرها.

وأمَّا ما ذكرتِه بشأن امتناع زوجكِ من الإنفاق، فهذا لا يجوز له أن يفعله إذا كان قادرًا على الإنفاق؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنفاق من مهام الرجل في الأسرة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وقد بيّن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة حق الزوجة على الزوج، ومنها «أَنْ ‌تُطْعِمَهَا ‌إِذَا ‌طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ»، وكذلك حق الأولاد في الإنفاق، وقال ﷺ: «‌كَفَى ‌بِالْمَرْءِ ‌إِثْمًا ‌أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» أي من يقوم بقوتهم ومصاريفهم.

ومن حق الزوج أن يمنع الزوجة من الخروج من المنزل للعمل إذا كان لا يريدها أن تعمل، ولكن هذا مشروط بأن يقوم هو بواجباته، ومنها الكفاية في النفقة لها ولأولادها، فإذا كان لا يفعل ذلك فإنه آثم بامتناعه عن الإنفاق وعن التسبب فيه، ولا يصح له في هذه الحال أن يمنع الزوجة من الخروج لتحصيل قوتها وقوت أبنائها.

ولهذا نحن ننصحكِ: إذا كنتِ تعلمين أنه لن يُنفق فيما لو انقطعتِ عن العمل، ننصحك بأن لا تتركي هذا العمل إذا كان هذا العمل خاليًا من المحرمات الشرعية، بحيث لا تقعين فيه بمعصية، فنصيحتنا أن تستمري على كسب ما تحتاجينه من النفقة لكِ ولأولادكِ، ما دام الله تعالى قد يسّر لكِ ذلك، وأن تحافظي على دينكِ، وتجتنبي ما حرّم الله تعالى عليكِ.

وتحاولي مع ذلك باستعمال كل وسائل الإقناع في مراجعة الزوج، ومحاولة بيان الحقيقة له، وأن تستعيني على ذلك بكل من له كلمة مقبولة عنده ويمكن تأثره به، ليُبيّنوا له أن ما يفعله تضييع للحقوق وتقصير في حق الزوجة والأولاد، لعله يرجع إلى الصواب إن شاء الله تعالى.

لا ننصحكِ باتخاذ قرار الطلاق ومفارقة الزوج، وننصحك بالتغاضي عن بعض حقوقكِ إذا كنتِ تستطيعين هذا التغاضي، وعليك بتذكيره بواجباته، منها النفقة وتربية الأولاد، وعلى الأقل لو فتح مشروعاً خاصاً له يكون قريباً منكم.

خير ما ننصحكِ به: التوجه إلى الله تعالى بصدق، أن تسأليه -سبحانه وتعالى- أن يُيسر أموركِ ويهدي زوجكِ، وأن تستخيريه -سبحانه وتعالى- قبل الإقدام على أي قرار، وتشاور العقلاء من أهلكِ، فإنهم أعلم بالحال الذي أنتِ فيه، وربما نصحوكِ بما فيه خير لكِ ونفع.

نسأل الله أن يُقدّر لكِ الخير حيث كان.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً