الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف يمكنني أن أتخطى الألم والضيق الذي أعيشه بسبب تأخر الزواج؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أبلغ من العمر 35 عامًا ولم أتزوج بعد.
منذ عام تقريبًا بدأت بالدعاء والإلحاح على الله بالزواج من رجل صالح، وبعد مدة تقدم رجل من العائلة فيه كل ما كنت أتمنى لخطبتي، وذلك بعد انقطاع طويل من الخطاب، لكنه لم يعد بعد أن رآني، وقد ظننت أن مجيئه كان استجابة من الله لدعائي، ومنذ ذلك الوقت أصبت بيأس وحزن شديدين.

ولأخرج نفسي من ذلك بدأت الالتزام بصلاة الضحى، وقراءة سورة البقرة، وصلاة ركعتين قبل أذان الفجر، والاستمرار بالدعاء بالزوج الصالح، إلا أن الضيق لم يذهب بل ازداد، ومضى وقت طويل على ذلك.

فماذا أفعل للتخلص من هذا الحزن والضيق؟ وماذا أفعل أيضًا لإقناع نفسي بأن الزواج قد يكون مما لم يكتبه الله لي في هذه الدنيا، خاصة أنني قد كبرت ولا علاقات اجتماعية لي يمكن أن تساعدني على الزواج؟ وكيف يمكنني أن أتخطى ذلك وأعيش حياة طبيعية دون ألم وضيق؟

علمًا أنني لا أعمل ولم أجد وظيفة مناسبة منذ مدة، وحياتي عبارة عن فراغ كبير، وملل وروتين قاتل، مع أنني من الأشخاص المحبين للتجديد، ولدي طاقة وشغف للعمل والإنجاز، إلا أنني لا أجد ما أشغل وقتي به سوى بعض الهوايات كالقراءة والطبخ والمشي، وغيرها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هديل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بدايةً: نُثمِّن ثقتكِ وطلبكِ الاستشارة، وهذا في حدِّ ذاته علامة وعيٍ، وقلبٍ حيٍّ، يتلمس الطريق الصحيح، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويعوضك خيرًا مما تتمنين.

أولًا: ما تمرّين به مفهومٌ إنسانيًّا وشرعياً؛ فالتعلّق بالأمل ثم انكساره يُحدث في النفس وجعًا عميقًا، لا سيما حين يكون الأمر متعلقًا بالزواج، وهو حاجة فطرية وسكن نفسي، وقد ازداد الألم لأنكِ ربطتِ قدوم هذا الرجل باستجابة الدعاء، ثم جاء عدم إتمام الأمر على غير ما تمنّيتِ، فاختلط في قلبك الرجاء بالحيرة، والحب بالخوف، والانتظار بالإحباط، وهذا لا يدل على ضعف إيمانك، بل على صدق قلبك وحساسيته.

ثانيًا: من المهم أن تطمئني أن الدعاء لا يضيع عند الله أبدًا، فاستجابة الدعاء ليست دائمًا على الصورة التي نطلبها، وإنما على الصورة التي يعلم الله أنها أصلح لنا، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].

قد يكون هذا الرجل الخاطب قد جاءك رسالة طمأنة من الله بأن باب الزواج لم يُغلق، لا وعدًا بإتمامه، وقد يكون صرفه عنك رحمة لا تدركينها الآن، ولو كُشف لك الغيب لاخترتِ ما اختاره الله لك.

ثالثًا: ازدياد الضيق رغم كثرة الطاعات أمر يمر به بعض الصالحين، وليس علامة عدم قبول أو غضب، بل قد يكون ابتلاء تربيةٍ وتزكية، أو دلالة على أن القلب ما زال متعلّقًا بالسبب أكثر من تعلّقه بالمسبّب، فالعبادة حين تختلط بالحزن، تحتاج إلى تحويل وجهتها من طلب النتيجة إلى الأنس بالله والرضا بقضائه، فحين يتحول الدعاء من استعجال الفرج إلى تسليم القلب، يبدأ الشفاء بالرضا الحقيقي.

رابعًا: يمكن تفسير الأمر نفسيًا بأن الفراغ الذي تعيشينه يغذّي الحزن، ويُضخّم فكرة العمر والزواج والوحدة، فالعقل حين لا يُشغَل يُرهِق صاحبه بالأفكار المؤلمة، وأنتِ –كما ذكرتِ– تملكين طاقة وشغفًا للتجديد، لكن هذه الطاقة حبيسة الانتظار.

ومن الحكمة أن تنتقلي من مرحلة انتظار أن تتغيّر حياتك، إلى بناء حياة تستحق أن تعيشيها الآن، سواء بالعمل التطوعي، أو تعلّم مهارة جديدة، أو مشروع صغير من المنزل، أو الانتظام في نشاط اجتماعي أو تعليمي يفتح لك آفاقًا جديدة، ويعيد لك الشعور بالقيمة والإنجاز.

خامسًا: تهيئة النفس لاحتمال عدم الزواج لا تعني إغلاق باب الرجاء، وإنما تعني أن تعيشي بسلام مع قضاء الله في كل حال، الإسلام لا يربط كرامة المرأة، ولا اكتمالها بالزواج فقط، بل بقربها من الله ونفعها ورسالتها في الحياة، فكم من امرأة لم تتزوج، وكانت سبب خيرٍ عظيم لنفسها ولغيرها، وكم من متزوجة عاشت ألمًا أشد من الوحدة، السكينة ليست في الحالة، بل في الرضا.

سادسًا: احرصي أن تجعلي دعاءك مقرونًا بالطمأنينة، وقولي بصدق: «اللهم إن كان الزواج خيرًا لي في ديني ودنياي فقرّبه لي ويسّره، وإن لم يكن فاصرف قلبي عنه، وارضِني بقضائك، واملأ حياتي بما تحب وترضى».

ومع الدعاء، خذي بالأسباب المتاحة دون ضغط أو يأس، ووسّعي دائرة معارفك الاجتماعية بالقدر الذي يناسبك، فالأرزاق قد تأتي من حيث لا نحتسب.

سابعًا: تذكّري أن عمرك ليس عائقًا أمام قدرة الله عز وجل، وأن التأخير ليس حرمانًا، وأن الله إذا أغلق بابًا فتح أبوابًا أوسع إن أحسنّا الظن به، حاولي أن تعيشي يومك بطريقة طبيعية، واعملي بما تستطيعين، واتركي النتائج لربٍّ لا ينسى، ولا يُخيب من أحسن به الظن.

ختامًا: نسأل الله أن يملأ قلبك سكينة، وأن يعوّضك عوضًا يليق برحمته، وأن يكتب لك الخير حيث كان، ويرضيك به.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً