الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد وفاة والدتي أصبحت أخشى ألا تكون راضية عني، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدتي توفيت قبل سنة، وكانت مريضة منذ سنوات، وكنت أعمل لها كل شيء، ولكني أتذكر كم مرة رفعت صوتي عليها، وأحيانًا عندما كانت تنادي علي؛ كنت أتعمد عدم الرد عندما أكون متضايقة منها.

حاليًا: عندما أتذكر تلك المواقف أبكي، وأخاف أنها ليست راضية عني، وأخشى أن عبادتي ليست مقبولة، لأني قرأت شيئًا مثل ذلك، ولم أعد أعرف الراحة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ heba حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أختنا الكريمة-، ونشكر لك ثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابي لحل مشكلتك كالآتي:

‏أولاً: لا شك ولا ريب أن بر الوالدين له منزلة عظيمة في الإسلام، قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23)، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "أبوك" رواه البخاري ومسلم.

‏ثانيًا: طبعًا تشكرين وأنت مأجورة على برك بأمك، وقد ذكرت في الرسالة أنك كنت تعملين لها كل شيء، وخدمة، وأجرك كبير عند الله تعالى، ولن يضيع الله تعالى من عمل صالحًا؛ فالله تعالى أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

‏ثالثًا: شعورك بالذنب وتأنيب الضمير، وتذكر تلك المواقف هو شعور يُفسر بأنه ناتج من ألم الفقد، وهذا شعور طبيعي يحدث للكثير من الناس، عندما يفقدون حبيبًا أو قريبًا -وخاصة الوالدين-، يظلون فترة من الزمن يتذكرونه، ويتذكرون المواقف السلبية التي حدثت، ويحدث نوع من الحسرة، ويتمنون لو أنها لم تحدث، وهذا كما قلنا ناتج من ألم الفقد، وعلاجه بتذكر المواقف الإيجابية كذلك، ومواقف الفرح والرضا التي كانت تحدث، وبإذن الله مع الأيام يخف هذا الشعور تدريجيًا، إلى أن يختفي نهائيًا.

رابعًا: ما ذكرته من أن صوتك كان أحيانًا يعلو فوق صوت أمك -رحمها الله-، فإن كان رفع الصوت لموقف غضبت فيه، وتعمدت رفع الصوت، فوق صوت أمك، فاستغفري الله تعالى إن كان ذلك بتعمد وانفعال، فهذا لا شك خطأ، ولكن عليك بالتوبة والاستغفار، وادعي للوالدة كثيرًا؛ فهذا نوع عظيم من الإحسان، وإن كان ذلك من غير تعمد؛ فهو أهون من التعمد، وعليك بالاستغفار، والدعاء لها على كل حال، ويمكنك كذلك التصدق عنها، وبذل أنواع الخير صدقة عنها، لتدارك أي تقصير حدث.

رابعًا: أما كونك خائفةً من أن تكون أمك ماتت وهي غير راضية عنك، فهذا من علم الغيب، ولعلها عفَت عنك بخدمتك الكثيرة لها، وقد أفضت إلى ما قدمت -رحمها الله-، ولا سيما أنها مرضت سنة كاملة، والمرض يكفر عن المسلم ذنوبه وخطاياه؛ ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه"، فلا تنسيها من الدعاء الصالح، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فلا داعي للحزن الكثير، والخوف من عدم رضا الوالدة -رحمها الله-، وقد كنت بارة (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم) وأسأل الله أن يغفر لوالدتك، وأن يبارك في عمرك، ويسعدك في الدنيا والآخرة، آمين.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً