الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أفراد أسرتي غير متعاطفين معي وأفكر في الانفصال العاطفي عنهم!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في 16 من عمري، أود معرفة حكم الانفصال العاطفي عن عائلتي بسبب بيئة المنزل المشحونة للغاية، وما أتعرض له من أذى نفسي وعاطفي مستمر.

أنا لا أنكر فضل والديّ، وأشكرهما، وأدعو لهما دائماً، لكن صدري ضاق حرجاً، وأريد حماية نفسي، والتركيز على دراستي ومستقبلي، بدأت معاناتي في عمر 14 سنة؛ حين قطعت والدتي علاقتي بأخي الأوسط المقرب، ومنعتنا من الحديث وعزلته؛ مما خلق فجوة عميقة بيننا أدت لمقاطعته لي، وللعائلة كلها لاحقاً.

أختي الكبرى نالت نصيباً من القسوة، وسافرت والآن يتوددون إليها، أما أنا فما زلت أواجه الضغوط، عند وقوع أي جدال مع أمي، تقاطعني وتذمني عند أختي، وتصفني بالعقوق، ورغم أنني بشوشة وودية معهم، إلا أن أمي تتجاهلني تماماً في الحديث، ووالدي يعبس في وجهي بقسوة، ويتحاشى النظر إليّ دون سبب أعلمه.

في سن الـ 15 والـ 16 مررت بمرض نفسي حاد وتجاوزته بفضل الله، وكنت أكثر من الاستماع للقرآن طلباً للسكينة.

لاحقاً، تراكمت عليّ الدراسة بشكل مهول (بين 15 إلى 25 حصة فائتة في كل مادة من موادي الـ 14) فبسبب ظروف مادية عائلية أخرت السداد، وعندما لجأت لأمي طلباً للمواساة لامتني واتهمتني بالتحجج، وتداهمني حالياً نوبات هلع مرعبة (خفقان مزعج، وحرقان بالصدر، وضيق تنفس، وبرودة جسد، وشعور بالموت)، وأكتم أعراضي تماماً؛ لأن والدتي ستكذبني وتتهمني بالتمثيل.

أنا أحاول سد تقصيري بالاهتمام والمساعدة بالأفعال، وأريد التركيز على دراستي.

أسئلتي للمستشار الفاضل: ما حكم الانفصال العاطفي عن العائلة؛ لحماية نفسي ودراستي من كسرهم وخوفي من عودة المرض النفسي، مع الاستمرار في برهم بالأفعال والخدمة التامة دون تقصير؟

ما الحكم الشرعي فيما يفعله والداي من تجريح عاطفي، وتجاهل، وعبوس، وتكذيب لألمي؟ وما حكم أفعالي معهم؟ كيف يتوجب عليّ فعلياً وسلوكياً التعامل مع نوبات الهلع وتراكم الدراسة في ظل انعدام الدعم والاحتواء الأسري؟

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ آمنة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أهلاً بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدركِ، وأن يحفظكِ من كل سوء، وأن يرزقكِ السكينة والثبات، وأن ييسر لكِ أمور دينكِ ودنياكِ، وبعدُ فقد تفهمنا سؤالكِ من خلال الأمور الآتية:

1- لم يظهر لنا من رسالتكِ أنكِ تريدين عقوق والديكِ، أو قطع صلتكِ بهما، وإنما تريدين أن تحمي ذاتكِ من أذى نفسي تخشين أن يعيدكِ إلى المرض الذي عانيتِ منه سابقًا، وهذا فرق مهم؛ لأن الشرع لا يطالب الإنسان بأن يعرض نفسه للانهيار إذا ما كُلف ما لا يطيق، لكنه يطالبه في الوقت نفسه بالمحافظة على البر والإحسان وصلة الرحم.

لذا أحب أن أقف معكِ عند مسألة بر الوالدين؛ لأنها من أعظم ما يعين على النظر إلى المواقف بميزان الشرع لا بميزان الألم وحده، فالله سبحانه لم يأمر ببر الوالدين لأنهما معصومان من الخطأ، ولا لأنهما دائمًا عادلان في كل تصرفاتهما، وإنما أمر ببرهما لعظيم حقهما وسابق إحسانهما؛ ولهذا جاء الأمر بالإحسان إليهما مقرونًا بتوحيده سبحانه، فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

ثم تأملي كيف قال سبحانه: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، فأمر بحسن الصحبة حتى مع أعظم أسباب الخلاف؛ ليبين أن بر الوالدين عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، لا مجرد مكافأة على حسن المعاملة.

ولهذا لم يطالب الشرع الابن أو البنت بإلغاء مشاعرهما أو إنكار ما يجدانه من ألم، ولم يأمرهما بالرضا بالظلم أو الأذى، وإنما أمرهما أن يضبطا ردود أفعالهما بضوابط الإيمان، فلكِ أن تحزني، ولكِ أن تتألمي، ولكِ أن تبحثي عن وسائل تحفظين بها صحتكِ النفسية وتعينكِ على الثبات، لكن مع بقاء الاحترام والدعاء والإحسان وحفظ اللسان.

بل قد يكون من أعظم أبواب البر أن يصبر الإنسان على بعض ما يكره من والديه ابتغاء وجه الله، محتسبًا ذلك عنده سبحانه.

وكثير من الأبناء لا يدركون إلا بعد سنوات أن صبرهم على بعض ما وجدوه من جفاء أو قسوة كان من أعظم ما زكى نفوسهم ورفع درجاتهم، فلا تنظري إلى بركِ لوالديكِ على أنه إحسان منكِ إليهما فحسب، بل انظري إليه على أنه رصيد لكِ عند الله، وباب من أبواب القرب منه، وكنز تدخرين ثوابه ليوم تكونين أحوج ما تكونين فيه إلى الحسنة الواحدة.

2- إذا كان المقصود بالانفصال العاطفي أن تخففي تعلقكِ بتوقعاتكِ منهم، وألا تجعلي سعادتكِ وطمأنينتكِ مرتبطة بكل كلمة أو تصرف يصدر عنهم، وأن تبحثي عن التوازن النفسي في علاقتكِ بالله ثم في حياتكِ ودراستكِ وأهدافكِ؛ فهذا لا حرج فيه، أما إذا كان المقصود أن يتحول ذلك إلى قطيعة أو كراهية أو ترك للبر والإحسان فهذا شأن آخر، وهو محرم كأصل.

3- من أكثر ما يؤلم في رسالتكِ أنكِ كلما احتجتِ إلى المواساة وجدتِ اللوم، وكلما احتجتِ إلى الاحتواء وجدتِ التكذيب، أو التجاهل، ولا شك أن هذا مؤلم، خصوصًا في هذه المرحلة العمرية التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يفهمه ويطمئنه، لكن مع ذلك فإن تقصير الوالدين -إن وجد- لا يبيح العقوق، كما أن بر الأبناء لا يسقط حقهم في الرحمة والرفق.

4- ما ذكرتِهِ من عبوس والدكِ، وتجاهله لكِ، أو حديث والدتكِ عنكِ بسوء أمام أختكِ، أو وصفكِ بالعقوق، إن كان الأمر كما تصفينه، فهو تصرف لا بد أن يعرف أسبابه وسياقه؛ لأنه قد يكون مبررًا إذا كان عارضًا أو لسبب، وقد يكون مضخمًا وإن لم يكن له داعٍ، فهو تصرف غير مفهوم، سيما إذا خرج من الوالد المفطور على المحبة لولده، فالوالدان مأموران بالعدل والإحسان، كما أن الأبناء مأمورون بالبر والطاعة في المعروف.

5- لا نريدكِ أن تحملي نفسكِ مسؤولية تفكك العلاقات الأسرية، أو ما جرى بين أفراد العائلة، فأنتِ كنتِ صغيرة حين وقعتْ كثير من هذه الأحداث، وبعض المشكلات العائلية تكون أكبر من قدرة الابن أو البنت على إصلاحها أو منعها.

6- ما تصفينه من خفقان القلب، وضيق التنفس، وبرودة الأطراف، والشعور بقرب الموت، يشبه أعراض نوبات الهلع، وهذه ليست تمثيلاً، ولا ضعفًا في الشخصية، ولا دليلاً على ضعف الإيمان، بل هي حالة نفسية تحتاج إلى متخصص وسوف يجيبكِ عنها سعادة الدكتور مأمون.

7- أما الدراسة، فلا تنظري إلى الحصص المتراكمة كلها دفعة واحدة؛ لأن العقل ينهار أمام الصورة الكبيرة، قسمي المواد إلى أجزاء صغيرة جدًّا، وضعي برنامجًا يوميًا واقعيًا، ولو كان الإنجاز قليلاً في البداية، فالتراكم الذي حصل خلال أشهر لا يعالج في يوم أو يومين.

8- لا تنتظري أن يتغير كل من حولكِ حتى تبدئي إصلاح حياتكِ، فبعض الناس يضيع سنوات ينتظر البيئة المثالية والدعم الكامل.

والحقيقة أن كثيرًا من الناجحين بدأوا في ظروف صعبة، لكنهم ركزوا على ما يستطيعون فعله هم، لا على ما يعجزون عن تغييره في الآخرين.

9- حاولي أن تجدي في حياتكِ مصادر دعم أخرى مباحة وآمنة؛ كمعلمة تثقين بها، أو قريبة حكيمة، أو صديقة صالحة، أو مرشدة مدرسية أمينة، فالإنسان يحتاج أحياناً إلى من يسمعه ويفهمه ويعينه على تجاوز أزماته.

11- لا تجعلي تقلب حال والديكِ معكِ مثبطًا لكِ، فإنكِ مطالبة عند الله بطاعتكِ واستقامتكِ وأخلاقكِ والإحسان إليهما قدر الطاقة، مع الاجتهاد في الحوار معهم وتفهم منطلقاتهم؛ لأن بعض الشروخ الكبيرة تصنعها العزلة وضعف التواصل، ثم اعلمي أنكِ لستِ الوحيدة فكثير من الأبناء الصالحين مروا بتجارب مشابهة، ثم تغيرت الأحوال بعد سنوات.

12- كذلك نوصيكِ أن تحافظي على الفرائض، والأذكار، وورد من القرآن، ولو كان يسيرًا، ولا تربطي العبادة بالحالة النفسية، فالثبات على القليل الدائم خير من الانقطاع بسبب انتظار النشاط الكامل، أو الراحة التامة.

نسأل الله أن يشرح صدركِ، وأن يذهب عنكِ الهم والقلق، وأن يصلح حال والديكِ، وأن يؤلف بين قلوب أسرتكم، وأن يرزقكِ النجاح في دراستكِ، والثبات في دينكِ، والعافية في نفسكِ وبدنكِ، والله الموفق.
_____________
انتهت إجابة د. أحمد المحمدي -المستشار التربوي والأسري-،
وتليها إجابة د. مأمون مبيض -المستشار النفسي-.
__________________
نرحب بكِ (بُنيتي) عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، وأشكركِ على سؤالكِ فيما يدل على رغبتكِ باستمرار بركِ لوالديكِ، بالرغم من سوء معاملتهما لكِ.

ممَّا يؤلمني (بُنيَّتي) أن أحيانًا بعض الآباء والأمهات لا يحسنون تقديم الدعم النفسي والمعنوي وحتى المادي أحيانًا لأبنائهم، فمجتمعاتنا تحتاج إلى الكثير من التوعية في رعاية الوالدين لأبنائهم، كثيرًا ما نتحدث عن واجب الأبناء تجاه الآباء، ولكن نُقصِّر في توعية الآباء في تقديم رعايتهم، ودعمهم النفسي لأبنائهم، فأنتِ ما زلتِ في هذا السن (السادسة عشرة) تحتاجين إلى الكثير من الدعم النفسي والمعنوي؛ لتتعرفي على الحياة من منطلق الشعور بالأمن والأمان، ولكن طبيعة والديكِ هي كما وصفتِ في سؤالكِ.

بُنيَّتي، لا شك أنكِ مررتِ بتجارب مؤلمة من انقطاع التواصل مع أخيكِ، ثم الآن مع أختكِ الكبرى، والأمور الأخرى التي مرَّت بها أسرتكم.

بُنيَّتي، نعم، أنا لا أقول أنه ممكن، بل أقول واجب أن تحمي نفسكِ من الظروف القاسية، والأجواء المشحونة بالسلبية، والنقد، وسوء المعاملة، فإذا استطعتِ أن تحمي نفسكِ من خلال ما أسميتِهِ الانفصال العاطفي، فهذا قد يكون ضروريًا في بعض الأحيان، ولكن مع الحرص على استمرار بركِ بوالديكِ، وكما ذكرتِ أنكِ ستستمرين في تقديم الخدمات التامة لهم دون تقصير، فإذا استطعتِ التوفيق بين الأمرين، فهذا أمر طيب، فيه رضا الله عز وجل، وفيه مصلحتكِ وخيركِ؛ لتستطيعي التركيز على دراستكِ وصحتكِ النفسية، وخاصةً أنكِ كنتِ ذكرتِ أنكِ مررتِ بمشكلة نفسية، كنتُ أتمنى لو ذكرتِها لنا؛ فهذا يعطينا فكرة عما يمكن أن ندقق فيه بشكل أفضل.

على كلٍّ، نعم، لا بأس من أن تحمي نفسكِ بالانفصال العاطفي هذا، عن طريق عدم الخوض في القيل والقال، وتحمُّل بعض النقد من الوالدين، ففضلهما عليكِ كبير كما ذكرتِ في سؤالكِ، واحرصي على برهما قدر الإمكان، واصرفي جل وقتكِ واهتمامكِ لبناء نفسكِ من ناحية العبادة، والدراسة.

وأمَّا بالنسبة لنوبات الهلع بالأعراض التي ذكرتها؛ فهي ستخف تدريجيًّا من خلال عنايتكِ النفسية بنفسكِ، واهتمامكِ بعبادتكِ ودراستكِ.

أدعو الله تعالى أن يشرح صدركِ، وييسر أمركِ، ويعينكِ في هذه المرحلة، ويهدي والديكِ لأفضل طرق التعامل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً