الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الخوف من مواجهة الناس أثر على عملي رغم تفوقي الدراسي، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من خوفٍ شديدٍ من الناس، ومن التحدث معهم، ويؤثر ذلك في عملي، حيث إنني في بداية عملي بالمحاماة، علمًا بأنني -بفضل الله- من المجتهدين، وقد حصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، لكنني لا أجد ثقةً بنفسي؛ بسبب ما تعرضت له من تنمُّرٍ في الصغر، فالقلق يأكل قلبي.

إذا اتصل بي شخصٌ أخاف أن تكون هناك مصيبة، وأخاف الذهاب إلى مركز الشرطة، والمحاكم، والتعامل مع الناس كافة، وقد أصابني الاكتئاب جراء ذلك، فصرتُ أشاهد المواد الإباحية لأخفف الضغط عن نفسي، وأصبحت هي الشيء الوحيد الذي يخفف عني القلق.

لا أستطيع أن أتفاءل، وأشعر بالكآبة والحزن، وقد ابتلانا الله -جل جلاله- بالفقر، فأسرتي فقيرةٌ جدًّا، ولا نملك المال، وأشعر وكأنني أحتضر وأنا على قيد الحياة.

أرجو منكم أن تنصحوني، وأن تدلوني على الطريق الصحيح، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صابر، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكَ -أخي الفاضل- مجددًا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ معنا بهذا السؤالِ، الذي آلمني حقيقةً لما تعانيهِ من هذا الرُّهابِ الاجتماعيِّ، وخاصةً أن مهنتكَ في المحاماةِ تتطلبُ مقابلةَ الناسِ، وربما المحاكمِ، ومراكزِ الشرطةِ، وغيرها.

أخي الفاضلُ، سرَّني أيضًا أنكَ -والحمد لله- من المجتهدينَ، وأنكَ حصلتَ على تقديرٍ ممتازٍ مع مرتبةِ الشرفِ، وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنما يدلُّ على ما وهبكَ الله إيَّاهُ من الفطنةِ، والحكمةِ، والذكاءِ، أضف إلى ذلك الجهد الذي تقومُ بهِ في حياتكَ بالرغمِ من فقرِ أسرتكَ، إلَّا أنكَ -ولله الحمدُ- كونتَ نفسكَ، وها أنتَ محامٍ، إن شاء الله تكونُ من المحامينَ المتفوقينَ والذينَ يحرصونَ على الحقِّ وعلى الخيرِ للناسِ.

أخي الفاضلُ، نعم يمكنُ للتنمرِ في الصغرِ أن يتركَ عند الإنسانِ في الكبرِ مثلَ ما تعاني منهُ من رهبةِ مقابلةِ الناسِ؛ لأن الذي يتعرضُ للتنمُّرِ وهو طفلٌ يبدأُ يعتقدُ بأنهُ غير مناسبٍ، ممَّا يضعفُ ثقتهُ بنفسهِ، وربما يستمرُ هذا الضعفُ في النفسِ لسنواتٍ وسنواتٍ.

ولكن -أخي الفاضل- هناكَ عبارةٌ جميلةٌ تقولُ: "إننا لسنا أسارَى لماضينا"، فيمكنُ أن نحررَ أنفسنا من سجنِ الماضي وأعبائهِ بالتركيزِ على الحاضرِ، وتقويةِ النفسِ مستعينينَ بالله عز وجل.

أخي الفاضل، من يعاني من رهبةِ الناسِ -أو الرهابِ الاجتماعيِّ- يمكنُ أن يقعَ في الخطأ الأكبرِ، وهو التجنب، فيبدأ يتجنبُ مقابلةَ الناسِ، مما يزيدُ عندهُ من هذا الرهابِ.

عكسُ التجنبِ -أخي الفاضل- هو الإقدامُ والمواجهةُ، فاحرص -أخي الفاضل- على عدمِ تجنبِ مثلِ هذه المواقفِ والمواجهةِ، ومن خلالِ الوقتِ ستجدُ في نفسكَ أكثرَ جرأةً وشجاعةً في مقابلةِ الآخرينَ.

أيضًا -أخي الفاضلُ- هناكَ علاقةٌ وثيقةٌ بين الرهابِ الاجتماعيِّ والاكتئابِ، فالأولُ يمكنُ أن يؤدي إلى الثاني والعكسُ صحيحٌ؛ لذلك علاجُ الاكتئابِ -والذي تناولناهُ في سؤالٍ وجوابٍ سابقينِ- يمكنُ من خلالِ الوقتِ أن يخففَ عندكَ هذه الرهبةَ، وخاصةً أن مضاداتِ الاكتئابِ هي نفسها أيضًا تعملُ في علاجِ الرهابِ الاجتماعيِّ.

فأرجو أن تستمرَ على أمرينِ: العلاجِ الدوائيِّ للاكتئابِ، والعلاجِ السلوكيِّ بالإقدامِ ومقابلةِ الناسِ، مما يزيدُ من جرأتكَ، ويخففُ من اكتئابكَ.

أمَّا بالنسبةِ لمشاهدةِ المقاطعِ الإباحيةِ كوسيلةٍ للتخفيفِ من القلقِ والضغطِ النفسيِّ، فهذا هروبٌ وهميٌّ؛ إذ قد يُشعِركَ بتفريغٍ أو راحةٍ مؤقتةٍ لدقائقَ معدودةٍ، لكنَّها سرعانَ ما تزولُ لِتَتركَ خلفَها الشعورَ بالذنبِ، ولتُضاعفَ أصلَ المشكلةِ بزيادةِ الاكتئابِ وضعفِ الثقةِ بالنفسِ على المدى الطويلِ؛ ولذا فإنَّ العلاجَ الحقيقيَّ والأبقى أثرًا هو ما يقتلعُ جذرَ القلقِ والاكتئابِ بالوسائلِ الطبيةِ والسلوكيةِ الصحيحةِ، وليسَ بالمسكناتِ المحرمةِ التي تُورثُ الخيبةَ والندمَ، وفي فهمكَ كفايةٌ لما أحاولُ أن أقولهُ لكَ هنا.

أدعو الله تعالى لكَ بتمامِ الصحةِ والعافيةِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً