كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون
ثم أوعدهم، فقال: كلا ثم انقطع الكلام، ثم رجع إلى قوله في: ويل للمطففين، فقال: إن كتاب الأبرار لفي عليين لفي ساق العرش، يعني أعمال المؤمنين وحسناتهم وما أدراك ما عليون تعظيما لها، فقال: كتاب مرقوم يعني كتاب من كتب الخير مختوم ختم بالرحمة مكتوب عند الله عز وجل يشهده يشهد ذلك المقربون وهم الملائكة من كل سماء سبعة أملاك من مقربي أهل كل سماء يشيعون ذلك العمل الذي يرضاه الله حتى ثبوته عند الله جل وعز، ثم يرجع كل ملك إلى مكانه.
ثم ذكر الأبرار، فقال: إن الأبرار لفي نعيم يعني ثم بين ذلك النعيم، فقال: نعيم الجنة، على الأرائك ينظرون إلى ذلك النعيم وهي السرر والحجال، فإذا كان سريرا، ولم يكن عليه حجلة فهو السرير حينئذ، وإذا كانت الحجلة، ولم يكن فيها سرير فهي الحجلة، فإذا اجتمع السرير والحجلة، فهي الأرائك يعني هؤلاء جلوس ينظرون إلى ذلك النعيم.
يقول: تعرف في وجوههم نضرة النعيم لأنه يعلق في وجهه النور من الفرح والنعيم، فلا يخفى عليك إذا نظرت إليهم فرحون، ثم قال: يسقون من رحيق مختوم وهو الخمر الأبيض إذا انتهى طيبه ختامه مسك إذا شرب وفرغ ونزع الإناء من فيه وجد طعم المسك وفي ذلك يعني فليتنازع المتنازعون، وفيه فليرغب الراغبون.
ثم قال: فليتنافس المتنافسون يعني فليتنازع المتنازعون، وفيه فليرغب [ ص: 463 ] الراغبون، ثم قال: ومزاجه من تسنيم عينا من جنة عدن، فتنصب عليهم انصبابا، فذلك قوله: يشرب بها المقربون يقول: يشربون به الخمر من ذلك الماء، وهم أهل جنة عدن، وهي أربعة جنان، وهي قصبة الجنة، ماء تسنيم يخرج من جنة عدن، والكوثر، والسلسبيل، ثم انقطع الكلام، قوله: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون نزلت هذه الآية في وأصحابه، وذلك أنهم كانوا يمرون كل يوم على المنافقين واليهود وهم ذاهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا رأوهم سخروا منهم وتغامزوا في أمرهم، وضحكوا منهم، وإذا رجعوا إلى أصحابهم، ضحكوا منهم، وذلك أن علي بن أبي طالب عبد الله بن نتيل لقي بدعة بن الأقرع ، فقال: أشعرت أنا رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه ؟ قال: كيف ؟ قال: لأنه يمشي بين أيديهم، وهم خلفه لا يجاوزونه، كأنه هو الذي يدلهم على الطريق، فسمع بذلك ، رضي الله عنه، فشق عليه وعلى أصحابه فتركوا ذلك الطريق وأخذوا طريقا آخر، فأنزل الله عز وجل فيهم: أبو بكر الصديق إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون .
وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين يعني عبد الله بن نتيل ، يعني إذا رجعوا إلى قومهم رجعوا معجبين بما هم عليه من الضلالة بما فعلوا بعلي وأصحابه، رحمهم الله: وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين . ثم أخبر بجزائهم على الله تعالى: فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك والأرائك السرير في الحجلة، يقول: جلوس في الحجلة يضحكون من أعدائهم، وذلك أن لكل رجل من أهل الجنة ثلمة، ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذبون ؟ فإذا نظروا إلى أهل النار وما يلقون هم من رحمة الله عز وجل، وعرفوا أن الله قد أكرمهم، فهم ضاحكون من أهل النار، ويكلمونهم حتى يطبق على أهل النار أبوابها في عمد من حديد من نار كأمثال الجبال، فإذا أطبقت عليهم انسدت تلك الكوى، فيمحو الله أسماءهم ويخرجهم من قلوب المؤمنين، فذلك قوله: ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون يعني ينظرون من الكوى، فإذا رأوهم، قالوا: والله قد ثوب الكفار ما كانوا يفعلون.
[ ص: 464 ]