[ ص: 49 ] وقد ظهر الجواب عن قولهم فمن هو الذي تكلم باثنين وسبعين لسانا ، أو من هو الذي حكم على الدنيا جميعها ملوكها وقساوستها وعلمائها حتى حكم على الدنيا جميعها من أربع زوايا العالم حتى غيرها ، وإن كان مما أمكنه جمعها كلها أو بعضها .
فهذا ما لا يمكن ، إذ جميعها قول واحد ونص واحد واعتقاد واحد .
وقد ظهر الجواب عن ذلك من وجوه :
أحدها : أنا لم ندع تغييرها بعد أن صارت بهذه الألسن ، وانتشرت بها النسخ ، بل لا ندعي التغيير بعد انتشار النسخ فيما ليس من كتب الأنبياء مثل كتب النحو والطب والحساب والأحاديث والسنن المنقولة عن الأنبياء مما نقل في الأصل نقل آحاد ، ثم صارت النسخ به كثيرة منتشرة ، فإن أحدا لا يدعي أنه بعد انتشار النسخ بكتاب في مشارق الأرض ومغاربها حكم إنسان على جميع المعمورة ، وجمع النسخ [ ص: 50 ] التي بها وغيرها .
ولا ادعى أحد مثل ذلك في التوراة والإنجيل ، وإنما ادعى ذلك فيها ، لما كانت النسخ قليلة : إما نسخة ، وإما اثنتين ، وإما أربعة ونحو ذلك .
أو ادعى تغيير بعض ألفاظ النسخ ، فإن بعض النسخ يمكن تغييرها .
، لكنه اختلاف قليل والغالب عليها الاتفاق . ونسخ التوراة والإنجيل والزبور موجودة اليوم وفي بعضها اختلاف
وذلك يظهر بالوجه الثاني : أن قولهم : إن جميعها قول واحد ، ونص واحد ، واعتقاد واحد ، ليس كما قالوه ، بل نسخ التوراة مختلفة في مواضع .
وبين توراة اليهود والنصارى والسامرة اختلاف ، وبين نسخ الزبور اختلاف أكثر من ذلك وكذلك بين الأناجيل فكيف بنسخ النبوات ؟
وقد رأيت أنا محمد - صلى الله عليه وسلم - باسمه ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر [ ص: 51 ] ذلك فيها وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس في أخرى . من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة
الوجه الثالث : أن التبديل في التفسير أمر لا ريب فيه ، وبه يحصل المقصود في هذا المقام فإنا نعلم قطعا أن ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - مكتوب فيما كان موجودا في زمنه من التوراة والإنجيل كما قال - تعالى - :
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .
ولا ريب أن نسخ التوراة والإنجيل على عهده كانت كثيرة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها فلابد من أحد الأمرين .
إما أن يكون غير اللفظ من بعض النسخ وانتشرت النسخ المغيرة .
وإما أن يكون ذكره في جميع النسخ كما استخرجه كثير من العلماء ممن كان من أحبار اليهود والنصارى وممن لم يكن من أحبارهم ، استخرجوا ذكره والبشارة به في مواضع كثيرة متعددة من التوراة والإنجيل ونبوات الأنبياء ، كما هو مبسوط في موضع آخر .
ومن قال إن ذكره موجود فيها أكثر من هذا وأصرح في بعض النسخ لا يمكن هؤلاء دفعه بأن يقولوا : قد اطلعنا على كل نسخة في [ ص: 52 ] العالم بالتوراة والإنجيل في مشارق الأرض ومغاربها ، فوجدناها على لفظ واحد ، فإن هذا لا يقوله إلا كذاب ، فإنه لا يمكن بشرا أن يطلع على كل نسخة في مشارق الأرض ومغاربها ، كما لا يمكنه أن يغير كل نسخة في مشارق الأرض ومغاربها ، فلو لم يعلم اختلاف النسخ لم يمكنه الجزم باتفاقها في اللفظ ، فكيف وقد ذكر الناس المطلعون عليها من اختلاف لفظها ؟ ما تبين به كذب من ادعى اتفاق لفظها ( وكيف يمكن اتفاق لفظها وهي ، بلغات مختلفة )