الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 49 ] وقد ظهر الجواب عن قولهم فمن هو الذي تكلم باثنين وسبعين لسانا ، أو من هو الذي حكم على الدنيا جميعها ملوكها وقساوستها وعلمائها حتى حكم على الدنيا جميعها من أربع زوايا العالم حتى غيرها ، وإن كان مما أمكنه جمعها كلها أو بعضها .

فهذا ما لا يمكن ، إذ جميعها قول واحد ونص واحد واعتقاد واحد .

وقد ظهر الجواب عن ذلك من وجوه :

أحدها : أنا لم ندع تغييرها بعد أن صارت بهذه الألسن ، وانتشرت بها النسخ ، بل لا ندعي التغيير بعد انتشار النسخ فيما ليس من كتب الأنبياء مثل كتب النحو والطب والحساب والأحاديث والسنن المنقولة عن الأنبياء مما نقل في الأصل نقل آحاد ، ثم صارت النسخ به كثيرة منتشرة ، فإن أحدا لا يدعي أنه بعد انتشار النسخ بكتاب في مشارق الأرض ومغاربها حكم إنسان على جميع المعمورة ، وجمع النسخ [ ص: 50 ] التي بها وغيرها .

ولا ادعى أحد مثل ذلك في التوراة والإنجيل ، وإنما ادعى ذلك فيها ، لما كانت النسخ قليلة : إما نسخة ، وإما اثنتين ، وإما أربعة ونحو ذلك .

أو ادعى تغيير بعض ألفاظ النسخ ، فإن بعض النسخ يمكن تغييرها .

ونسخ التوراة والإنجيل والزبور موجودة اليوم وفي بعضها اختلاف  ، لكنه اختلاف قليل والغالب عليها الاتفاق .

وذلك يظهر بالوجه الثاني : أن قولهم : إن جميعها قول واحد ، ونص واحد ، واعتقاد واحد ، ليس كما قالوه ، بل نسخ التوراة مختلفة في مواضع .

وبين توراة اليهود والنصارى والسامرة اختلاف ، وبين نسخ الزبور اختلاف أكثر من ذلك وكذلك بين الأناجيل فكيف بنسخ النبوات ؟

وقد رأيت أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - باسمه  ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر [ ص: 51 ] ذلك فيها وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس في أخرى .

الوجه الثالث : أن التبديل في التفسير أمر لا ريب فيه ، وبه يحصل المقصود في هذا المقام فإنا نعلم قطعا أن ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - مكتوب فيما كان موجودا في زمنه من التوراة والإنجيل كما قال - تعالى - :

الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .

ولا ريب أن نسخ التوراة والإنجيل على عهده كانت كثيرة منتشرة في مشارق الأرض ومغاربها فلابد من أحد الأمرين .

إما أن يكون غير اللفظ من بعض النسخ وانتشرت النسخ المغيرة .

وإما أن يكون ذكره في جميع النسخ كما استخرجه كثير من العلماء ممن كان من أحبار اليهود والنصارى وممن لم يكن من أحبارهم ، استخرجوا ذكره والبشارة به في مواضع كثيرة متعددة من التوراة والإنجيل ونبوات الأنبياء ، كما هو مبسوط في موضع آخر .

ومن قال إن ذكره موجود فيها أكثر من هذا وأصرح في بعض النسخ لا يمكن هؤلاء دفعه بأن يقولوا : قد اطلعنا على كل نسخة في [ ص: 52 ] العالم بالتوراة والإنجيل في مشارق الأرض ومغاربها ، فوجدناها على لفظ واحد ، فإن هذا لا يقوله إلا كذاب ، فإنه لا يمكن بشرا أن يطلع على كل نسخة في مشارق الأرض ومغاربها ، كما لا يمكنه أن يغير كل نسخة في مشارق الأرض ومغاربها ، فلو لم يعلم اختلاف النسخ لم يمكنه الجزم باتفاقها في اللفظ ، فكيف وقد ذكر الناس المطلعون عليها من اختلاف لفظها ؟ ما تبين به كذب من ادعى اتفاق لفظها ( وكيف يمكن اتفاق لفظها وهي ، بلغات مختلفة )

التالي السابق


الخدمات العلمية