الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
[ ص: 63 ] وأما قوله - تعالى - :

قل ياأيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 ) ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 ) لكم دينكم ولي دين فهو أمر بالقول لجميع الكافرين من المشركين وأهل الكتاب ، فإن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بما أنزل إليه من ربه كافرون قد شهد عليهم بالكفر وأمر بجهادهم وكفر من لم يجعلهم كافرين ويوجب جهادهم قال - تعالى - :

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة .

وقال - تعالى - :

لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم .

وقال - تعالى - :

[ ص: 64 ] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة .

وقال - تعالى - :

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

وحرف ( من ) في هذه المواضع لبيان الجنس ، فتبين جنس المتقدم ، وإن كان ما قبلها يدخل في جميع الجنس الذي بعدها ، بخلاف ما إذا كان للتبعيض كقوله :

لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب .

فإنه يدخل في الذين كفروا بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - جميع المشركين ، وأهل الكتاب .

وكذلك دخل في الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق جميع أهل الكتاب الذين بلغتهم دعوته ، ولم يؤمنوا به ، وكذلك قوله :

[ ص: 65 ] وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات .

وإن كان جميعهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وهذا إذا كان الجنس يتناول المذكورين وغيرهم ، ولكن لم يبق في الجنس إلا المذكورون ، كما يقول : هنا رجل من بني عبد المطلب ، وإن لم يكن بقي منهم غيره .

ووصفهم بالشرك ، وبأنهم يعبدون غير الله ، كما قال - تعالى - :

اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون .

فأخبر أنهم اتخذوا من دون الله أربابا واتخذوا المسيح ربا وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا وهؤلاء باتخاذهم غيره أربابا عبدوهم فأشركوا بالله - سبحانه و تعالى عما يشركون - .

وقال - تعالى - :

[ ص: 66 ] ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ( 79 ) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون .

فقد أخبر أيضا أنه من اتخذ الملائكة والنبيين أربابا فإنه كافر   .

وقال - تعالى - :

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ( 73 ) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ( 74 ) ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ( 75 ) قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم

( فقد وبخ أهل التثليث على أنهم يعبدون ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا  والله هو السميع العليم ) فدخلوا في قوله :

[ ص: 67 ] قل ياأيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد .

كما دخل في ذلك غيرهم من الكفار ، لا سيما وقد دخل في ذلك اليهود ، وهم أولى بالدخول من غيرهم ، فإن قوله : ( ما تعبدون ) يتناول صفات المعبود ، والإله الذي يعبده المؤمنون هو الإله الذي أنزل التوراة والإنجيل والقرآن ، وأرسل موسى وعيسى ومحمدا - صلوات الله عليهم وسلامه - .

والإله المتصف بهذه الصفات لا يعبده اليهود والنصارى ، وهذا كقوله :

قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون .

فهذا الإله الذي يعبده محمد وأمته ، وليس هو إله المشركين الذي يعبدونه ، وإن كان هو المستحق لأن يعبدوه فإنهم يشركون بعبادته ويصفونه بما هو بريء منه فلا يخلصون له الدين ، فيعبدوا معه آلهة أخرى إن لم يستكبروا عن عبادته ، وإله العبد الذي يعبده بالفعل ليس حاله معه كحاله مع الذي يستحق أن يعبده ، وهو لا يعبده ، بل يشرك به أو يستكبر عن عبادته ، فهذا هو الذي قال فيه : لا أعبد ما تعبدون .

والشرك غالب على النصارى ، والكبر غالب على اليهود   .

التالي السابق


الخدمات العلمية