الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نادمة على استهانتي بالحرام..فكيف أطهر قلبي بنية وتوبة وصادقة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا أعلم من أين أبدأ! ولكن يؤسفني أن أقول: إنني قد وقعت في كثير من المحرمات والأخطاء؛ من علاقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتحدث مع رجال، ومشاهدة الأفلام، وارتداء اللباس غير الشرعي، ووضع المكياج.

أعلم أنني أخطأت ولا أبرر خطًأ واحدًا، ولكنني كنت في عمر 17 أو 18 سنة، ولو كنت أعلم عواقب هذه الأمور على حياتي لما فعلتها، ولا أقول سوى: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأسأل الله عز وجل أن يتوب عليّ.

سمعت شيخًا في أحد الفيديوهات يقول: إذا كنت في عمرٍ لم تشاهد فيه ما حرّم الله، ولم تدخل في علاقات الحب المحرمة، وتصلّي وتخاف الله، أضمن لك الجنة، ومنذ تلك اللحظة شعرت أن كل آمالي توقفت، وأصبحت أخشى أن لا أكون من أهل الجنة.

والله إنني نادمة على كل شيء، وقد عاهدت نفسي أن لا أعود لتلك الأفعال، وكان الشيخ يقول إن كل ما حصل عليه الإنسان بالحرام كان فرصة واحدة، فإذا أضاعها فلن يحصل عليها بالحلال، ولن يشعر بمتعتها ولا بسعادتها، وأن قلبه سيمتلئ بالذنوب ويحتاج إلى تطهير.

أريد نصيحتكم: كيف أطهّر قلبي بنيّة صادقة؟ وأسألكم بالله أن تدعوا لي أن يرزقني الله الجنة، فوالله إنني أريدها، وأخشى أن أُحرم منها، وأخاف أن يغضب الله عليّ، وأنا أعلم أنني استهنت، ولكنني -والله- قد تبت وأسأل الله أن تكون توبة صادقة.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يعفو عنك، وأن يسامحك، وأن يغفر لك.

أختي الكريمة: لا شك أن ما فعلته كان قاسيًا، وهو من الذنوب العظيمة التي تميت القلب إن استمر عليها، لكن ما تعيشينه الآن ليس علامة غضب من الله، ولا دليل حرمان من الجنة، بل هو في حقيقته حالة خوف صادق، ويقظة قلب، وهذه من أعظم النعم وإن كانت مؤلمة.

الإنسان إذا أذنب، ثم استيقظ قلبه، وشعر بثقل الذنب، وخاف على آخرته؛ فهذه بداية الطريق لا نهايته، ولو لم يكن فيك خير لما شعرت بهذا القلق، ولا بهذا الانكسار بين يدي الله.

أول ما يجب أن يصحح في قلبك هو الفكرة التي استقرت بسبب بعض المقاطع أو الكلمات، وهي أن من وقع في الحرام في صغره فقد ضيّع فرصته الوحيدة، ولن ينال الحلال، ولن يشعر بالسعادة، ولن يدخل الجنة، هذا المعنى غير صحيح شرعًا، ولا يوجد عليه دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ، بل هو مخالف لنصوص قطعية واضحة؛ لأن الله سبحانه وصف نفسه بالغفور الرحيم، وفتح باب التوبة لكل عبد ما دام حيًّا، ولم يجعل الذنب حاجزًا أبديًا بين العبد وبين رضوانه، يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وهذه الآية حديث إلى أناس أسرفوا، أي بالغوا في الذنوب، ولم تستثن معصية دون أخرى، بل جاء اللفظ عامًا ليقطع طريق اليأس.

ومما يدل على فساد هذه المقولة، أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا مشركين، وكانوا كغيرهم يفعلون أنواع المعاصي، ثم أسلموا وضربوا أجمل الأمثلة في حب الدين والتفاني فيه، وقد رضي الله عنهم وهم في الدنيا، وبشرهم بالجنة وأقدامهم على الأرض، فلم تكن معاصيهم السابقة حاجزاً لهم من دخول الجنة، فهذا الكلام الذي سمعته لا يقوله عالم يعرف دين الله، بل قد يكون واعظاً تحمس في وعظه ويريد أن يحذر الشباب من المعاصي، لكنه أخطأ في كلامه.

أما قولك إنك كنت في عمر سبعة عشر أو ثمانية عشر عامًا؛ فهذا لا يسقط المسؤولية عن الذنب، لكنه يضعه في إطاره الصحيح من حيث ضعف النفس وغلبة الشهوة، ولهذا قال الله تعالى عن التوبة: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ والجهالة هنا ليست عدم معرفة الحكم فقط، بل تشمل ضعف العقل أمام الشهوة وعدم تقدير العواقب.

الخوف الذي تعيشينه الآن من أن تحرمي الجنة هو في ذاته دليل على أن قلبك حي؛ لأن المنافق والعاصي المُصرّ لا يخاف، بل يُبرّر ويُكابر، أما أنت فتقولين: ندمت، وقطعت، وعاهدت نفسي، وأسأل الله التوبة، وهذه هي حقيقة التوبة شرعًا، النبي ﷺ قال: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» وهذا أصل التوبة، ثم يأتي بعده العمل الصالح.

تطهير القلب لا يكون بكراهية النفس ولا بتكرار جلد الذات، ولا باعتقاد أنك مكسورة للأبد، بل يكون بثلاثة أمور متوازنة: صدق الرجوع إلى الله، وكثرة الحسنات، وحُسن الظن بالله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فكل صلاة بخشوع، وكل استغفار صادق، وكل دمعة في الخلوة، وكل صدقة، هي في ميزان الله تمحو أثرًا مما مضى، لا مجازًا بل حقيقة.

وأحذّرك -برفق- من وسوسة خطيرة، وهي أن يتحوّل الخوف من الله إلى قنوط من رحمته؛ لأن القنوط ذنب أعظم من كثير من المعاصي، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ الشيطان يبدأ بدفع العبد إلى الذنب، فإذا تاب حاول أن يحرمه الطمأنينة ويُشعره أنه غير مقبول، فاحذري أن تنتقلي من معصية إلى معصية أخطر باسم الخوف.

أما قولك إنك تريدين الجنة بصدق، فاعلمي أن من صدق في طلبها وسعى لها وخاف أن يحرم منها، فإن الله أكرم من أن يردّه خائبًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ والهداية هنا تشمل هداية القلب والثبات وحسن الخاتمة.

وختامًا: استكثري من الصاحبات الصالحات، ولا تخبري أحدًا بما أخبرتنا به، وإن جاءك خاطب فاحذري أن تعلميه بذلك مهما شدد عليك من قول، أو عزم عليك، فهذا كان بينك وبين الله، وقد تبت منه، والله يغفر ويرحم، والبشر ليسوا كذلك.

اللهم إن هذه أَمَتك، وقد رجعت إليك نادمة خائفة راجية، فاقبل توبتها، وبدّل سيئاتها حسنات، واملأ قلبها طمأنينة بدل خوف، ورجاء بدل قلق، ولا تحرمها لذة القرب منك، واجعل الجنة غايتها ومآلها، يا أرحم الراحمين، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً