الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوساوس أدت إلى قلة احترامي وتوتر علاقاتي بالناس، فكيف أتخلص منها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كانت تجربة تديّني مشوّهة للغاية، إذ أنني مبتلاة بالوسوسة، لكن لم أتوقّع أن تبلغ هذا الحدّ من السوء؛ فقد فقدت احترام عائلتي لي، وأصبحوا ينظرون إليّ بعين الشفقة والاشمئزاز، كما أنّ علاقاتي بصديقاتي متوتّرة، إذ أشعر دائمًا أنّهن يكرهنني.

كانت الوساوس حادّة منذ البداية، حتى إنّها دفعتني ذات مرّة إلى التنقّل زحفًا بدلًا من المشي، فضلًا عن مواقف غريبة أخرى جعلتني لا أبالي بنظرة الناس إليّ، أو بما يتعرّض له جسدي من أذى، إذ اعتدت أثناء تطبيق الطقوس الوسواسية أن أؤذي جسمي، لأنّ الوساوس كانت شديدة وتتطلّب ذلك، ومنذ دخولي الجامعة أخذت أفكاري في الانحدار، وكأنّني فقدت الجزء المنطقي من عقلي.

كان يفترض بي كطالبة طب، أن أدرس وأعيش حياة جامعية سعيدة، لكن حياتي اقتصرت على الاستلقاء في السرير، أشعر دائمًا بالذنب؛ فإذا أخذت قسطًا من الراحة أحسست بالتقصير وأنّ الله سيبغضني، وإذا درست أحسست أنّ هناك شيئًا أفضل ينبغي أن أفعله.

توقّفت عن كلّ شيء حرفيًّا، وأشعر أنّ عقلي مشوّش، وأحسّ بالانفصال عن الواقع منذ أن كنت في الرابعة عشرة، لكن هذا الشعور مختلف عن الانفصال المعتاد الذي كنت أحسّه؛ إنّه شديد إلى درجة أنّني لم أعد أبالي إن متّ أو أفسدت حياتي كاملة.

أفكّر دائمًا في الموت وكيفية الانتحار، وأعلم أنّني غالبًا لن أفعل ذلك، لكن فكرة الخنق وإنهاء الحياة تبدو ملائمة جدًّا.

لم أدرس رغم أنّ الامتحان قريب، وأنا خائفة جدًّا أن يوقفني والدي عن الدراسة بسبب مستواي المتدنّي، أحاول والله يعلم، لكنّني لا أستطيع أن أدرس؛ فكلّما حاولت شعرت بالذنب، وأتساءل: لماذا لا أعيش مثل بقيّة زميلاتي؟ لماذا أنا دائمًا قلقة؟ إنّ تديّني لم يجلب لي حبّ الناس، وربما لم يجلب لي حبّ الله أو الراحة.

أعلم جيّدًا معنى أن يعاني المرء في الدنيا ويصبر لأنّه موعود بالجنّة، لكنّني لا أشعر أنّني سأدخلها، أعلم أن ما أعاني منه قد تكون وساوس، لكن كونها وساوس لا يلغي مشاعر عدم الأمان التي أعيشها منذ أن أستيقظ إلى أن أنام؛ عدم الأمان لأنّ مصيري الأخروي مجهول.

لا يكاد يمرّ أسبوع دون أن أنهار نفسيًّا، وأتوقّف عن كلّ شيء، وأعزل نفسي، لقد تعبت، ولا شيء ينفع، لم أعد أعرف نفسي، ولا أحد يعرفني.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منة .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك (بنيتي) مجددًا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك سؤالك هذا، وقد آلمني هذا السؤال؛ لأنك كتبت إلينا ورددنا عليك بما هو مفيد، ولكن لا يبدو أنك استفدت مما ورد في سؤالك الأخير، حيث وجهتك إلى ضرورة علاج الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder) الذي تعانين منه، والذي هو سبب هذه الأعراض غير المعقولة وغير المنطقية التي تعانين منها، وواضح من سؤالك أن هذه الأفكار الوسواسية القهرية، والتي هي خارج سيطرتك، قد أثرت عليك نفسيًا وسلوكيًا لحد كبير، مما أوصلك إلى ما أنت فيه، والذي وصفتِه بشكل مؤلم في سؤالك هذا.

ابنتي الفاضلة: لا بد أن نذكر ما وجَّهنا إليه نبينا ﷺ حيث قال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ»، فكما هذا ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضًا على الأمراض النفسية كالوسواس القهري الذي تعانين منه.

ابنتي الفاضلة، لا أريد أن أكثر الكلام هنا، ولكن أريد أن أوجهك بشكل مباشر بضرورة المراجعة، إما مراجعة العيادة النفسية، أو قسم الإرشاد النفسي في الجامعة التي أنت فيها، فأنت في كلية الطب، ومعظم الجامعات فيها قسم للإرشاد الطلابي، فلعلهم يُيَسِّرون لك زيارة العيادة النفسية.

وأنا أريد أن أطمئنك أنك لست أول فتاة تُعاني من الوسواس القهري بهذا الشكل، ولن تكوني آخرهنَّ، وستستفيدين -بإذن الله- كما استفاد غيرك من العلاج، ومتابعة الدراسة بشكل جيد، ممَّا سيُرضيك ويُرضي أسرتك، وممَّا سيُحسِّن حياتك في هذه الدنيا، وبالتالي -بإذن الله عز وجل- يعطينا أملًا بالعالم الآخر ويوم القيامة، الذي -وربما بسبب الوسواس القهري- تقولين إنك انهرتِ وفقدت الأمل فيها.

بنيتي: أرجو ألَّا تتأخري أو تترددي في البحث عن العلاج المناسب، فأنت طبيبة، ستكونين طبيبة -بإذن الله عز وجل- وتعلمين أنه لا بد من التشخيص والعلاج، فأرجو ألَّا تترددي أو تتأخري في هذا الأمر، وأرجو أن نسمع أخبارك الطيبة بعد أن تقومي باتباع هذه التوجيهات.

أسأل الله لك التوفيق والشفاء.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً