الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي تؤذيني وتصرف الخُطّاب عني ووالدي عاجز عن ردها، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وصلتني إجابتكم السابقة بشأن والدتي، وأشكركم عليها، لكن أود أن أوضح بعض الأمور التي لم أذكرها في رسالتي الأولى.

لقد ذكرتُ سابقًا أنني أشك في أن والدتي تقوم بعمل السحر لي، أمَّا الآن فلم يعد الأمر مجرد شك؛ فقد رأيت ذلك بنفسي، وسمعت، وشاهدت أوراقًا فيها طلاسم، وعندما واجهتها بذلك لم تُنكر، ولم تُبدِ أي خجلٍ أو ندمٍ على ما فعلته.

وكذلك، كلما تقدم أحد لخطبتي، أخذت تُشوِّه سمعتي، وتتحدث عني بسوء، وهذا الأمر لا تفعله في الخفاء، بل أمام الناس، وبصورةٍ علنيةٍ.

أمَّا والدي فهو على قيد الحياة، ويعلم بكل ما يحدث، ويقول إنني مظلومة، وإن الحق معي، لكنه يشعر بالعجز، ولا يستطيع أن يفعل شيئًا؛ لأنه إذا ناقش والدتي أو عاتبها، هددت بإيذاء نفسها، أو تغادر المنزل أيامًا، ولا نعرف أين تذهب، كما أنه يخشى الفضيحة أمام الناس، ولذلك يصبر، ويسلِّم أمره إلى الله تعالى.

وأمَّا علاقتي بوالدتي، فقد حاولتُ إصلاحها بكل ما أستطيع، وأدخلت بعض الأقارب والمعارف لينصحوها ويؤثروا فيها، لكنها رفضت، كما حاولتُ التحدث معها بنفسي، وكنت أفعل ما يسعدها ويُرضيها، لكن ذلك لم يغيِّر شيئًا.

بل كانت إذا رأتني سعيدة، أو مرتاحة، أو مهتمة بنفسي وملابسي، تغضب، وتصرخ، وتفتعل المشكلات، وإذا أثنى عليَّ أحد، أو مدحني، بدأت تذمني وتنتقص مني.

كما أنها تُقصِّر كثيرًا في حقوق البيت، وفي رعاية إخوتي الصغار، حتى إنني أضطر إلى القيام بدور التربية، وتعليمهم الصواب من الخطأ بسبب تقصيرها، وأشعر أن هذا الأمر يزيد غيرتها مني.

وهي أيضًا لا تكاد تتفق مع أحد، حتى مع أقاربها والناس من حولها، ولما رأت أنني أستطيع التعامل مع الكبير والصغير، والقريب والغريب، وأن علاقتي بالناس طيبة، ازدادت غيرتها، وبدأت تشوِّه سمعتي أمامهم حتى يكرهوني، لكن كثيرًا منهم يشاهدون أسلوبها في التعامل، وأخلاقها، وطريقتها في الكلام، ولذلك لا يصدقون ما تقوله عني.

وأنا في الحقيقة لا يهمني كثيرًا إن صدق الناس كلامها أو لم يصدقوه، وإنما الذي يؤلمني حقًّا أن تكون الأم هي من تفعل ذلك بابنتها، وأن تتكلم في عرضها وشرفها، وأن تسعى لإيذائها بالسحر؛ فهذا هو الذي كسر قلبي وأتعب نفسيتي.

كما أنها تتلفظ في حقي أمام والدي بكلامٍ قاسٍ جدًّا، وألفاظٍ لا تليق، ولا يجوز أن تصدر من أم تجاه ابنتها، ولهذا أصبحتُ أحيانًا أرد عليها، ولم أعد أستطيع الصمت على الإهانة المستمرة، ومع ذلك يؤنبني ضميري بعد كل مرة، وأشعر أنني مقصرة، رغم ما أتعرض له.

لقد أصبحت حالتي النفسية سيئة جدًّا، وأشعر أنني تحطمت من الداخل بسبب ما أعيشه، وأعلم أن لوالدي نصيبًا من المسؤولية؛ لأنه لم يقم بدوره كما ينبغي في إيقاف هذا الظلم، لكنني في الوقت نفسه لا أستطيع أن أحكم عليه بقسوة، فهو يقول دائمًا إنه يخشى أن تقدم والدتي على أفعالٍ لا تُرضي الله إذا واجهها، ولذلك يختار الصمت، ويرى أنه لا يملك حيلةً إلَّا أن يفوض أمره إلى الله تعالى.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ولاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

أسأل الله أن يفرج عنا وعنك الهموم، وأن يصلح أحوالنا ووالدينا وأولادنا أجمعين، وأن يحفظنا وإياكِ من كل سوءٍ ومكروه.

أختنا الكريمة، إذا ثبت لديكِ وجود الطلاسم، واعترفت والدتكِ باستعمالها، فإن السحر من أعظم الكبائر؛ لقول الله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}، ولقول النبي ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ...» (متفق عليه). أمَّا الحكم على شخصٍ بعينه بالكفر، فليس للأفراد، وإنما يرجع إلى القضاء الشرعي والعلماء الراسخين.

ما ذكرتِه من تشويه سمعتك، وإفساد أمر زواجك، إن كان كما وصفتِ، فهو ظلمٌ وبهتان، قال تعالى: {والَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، وقال النبي ﷺ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (رواه مسلم).

سكوت والدك، مع علمه بالظلم، لا يعفيه من واجب الإصلاح بحسب استطاعته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}، وقال سبحانه: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، وقال النبي ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا...».

فإذا كان هذا في نصرة المسلم، فنصرة الزوجة أو الولد من باب أولى، ومع ذلك، فلا نستطيع الحكم عليه بالتقصير المطلق؛ لأننا لا نحيط بظروفه وقدرته.

من حقكِ أن تدفعي الظلم عن نفسك، لكن احرصي ألَّا يقودك الغضب إلى عقوق والدتك، أو الإساءة إليها، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وقال سبحانه: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}.

فادفعي الباطل بالحزم والأدب، وإذا أخطأتِ فبادري بالاستغفار، ومع هذا كله، فاحرصي على بقاء الحد الأدنى من البر والصلة، فإن إساءة الوالد لا تسقط حقه في البر بالمعروف.

من الطبيعي أن يترك هذا الابتلاء أثرًا نفسيًّا مؤلمًا، فلا تستسلمي له، وخذي بالأسباب الشرعية والنفسية معًا، واصبري، فإن الله معك، والصبر عاقبته خير، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، ويقول نبينا ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ».

كل ما يحل بالإنسان مقدرٌ عليه من قبل أن يخلقه الله تعالى، وما يصيبه من همومٍ قد يكون سببًا لرفعة درجاته، وتكفير سيئاته، يقول النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، وإذا استطعتِ مراجعة مستشارةٍ نفسيةٍ موثوقة، فافعلي.

حافظي على التحصينات الشرعية، بالمحافظة على الصلاة، وأذكار الصباح والمساء، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، والإكثار من قراءة سورة البقرة، فقد قال النبي ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (رواه مسلم). وقال ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ». متفق عليه. واحذري من اللجوء إلى السحرة أو الكهان.

إذا استمر التشهير، أو تعمدت والدتك منع زواجك بغير حق، فاستعيني، بعد الله، بوالدك، فإن لم يفعل، فبأحد العقلاء من الأقارب، أو أهل الإصلاح، فإن تعذر الإصلاح، ووصل الضرر إلى حدٍّ لا يحتمل، فلا حرج في طلب الحماية بالوسائل الشرعية، والقانونية المباحة في بلدك.

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، لكن الحديث الوارد بلفظ: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا...» رواه أبو داود، وقد ضعفه جماعةٌ من أهل العلم، فلا يحتج به. وأما قوله ﷺ لمن قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ فقال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرْ لَكَ ذَنْبُكَ»، فهو حديثٌ حسن، رواه الترمذي.

أكثري من دعاء ذي النون، فقد ورد في الحديث: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

وعليكِ بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».

أكثري من الدعاء، وأحسني الظن بربك، وألحي عليه أن يصلح والدتك، وأن يجعل لك من كل همٍّ فرجًا ومخرجًا، فإن الفرج بيده وحده سبحانه وتعالى.

أسأل الله تعالى أن يعطيك من الخير ما تتمنين، وأن يصرف عنا وعنك كل سوءٍ ومكروه، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً