وقول الراوي في هذا الخبر: فلما استغرق القمر في الانكساف فاضت نفسه، معناه أنه مات وفارق الحياة وخرجت نفسه، وفي هذه اللفظة لغتان محكيتان عن العرب بالظاء والضاد على ما سنبينه إن شاء الله.
وقد يقال: فاذ وفاز في هذا المعنى في أحرف كثيرة. وقد اختلف أهل العلم بالعربية في مواضع مما يأتي فيه فاظ وفاض، وأنا أذكر ما حضرني من جملة القول فيه مما حكي عن العرب، وما أروي من مذاهب اللغويين فيه، غير مستقص لجميع ما رويناه لسعته وغيبة كثير منه، ومن يقف على ما أثبته من هذا الباب هاهنا يشرف على معرفته، ويشرك العلماء به في إدراك جملته أو معظمه، إن شاء الله.
فمما رويناه في ذلك ما حدثناه محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الحسن الطوسي، عن أبي عبيدة، عن قال: يقال: فاظت نفسه وفاض الميت نفسه، وأفاظ الله تعالى نفسه، قال: وبعض الكسائي، بني تميم يقول: فاضت نفسه بالضاد.
وحدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: قال أبو الحسن وأبو جعفر محمد بن الحكم، عن أبي الحسن اللحياني، قال: يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاض الميت بالضاد.
وحدثنا قال: حدثني أبو بكر بن الأنباري: أبي، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن وسيم، قال: أخبرنا يعقوب بن السكيت، قال: يقال: فاظ الميت يفوظ، وفاظ يفيظ.
وحدثنا أبو بكر، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن الجهم، عن قال: يقال: فاظ الميت نفسه بالظاء ونصب النفس، قال أبو بكر، وأنشدني أبي، قال: أنشدني أبو عكرمة الضبي: الفراء،
وفاظ ابن حضرة عانيا في بيوتنا يمارس قدا في ذراعيه مصحبا
" المصحب ": الذي عليه وبره.
وقال رؤبة:
لا يدفنون منهم من فاظا
قال القاضي: وقال في كتاب الألفاظ، ويقال: فاظ الرجل وفاظت نفسه تفيظ فيظا وفوظا، وقال ابن السكيت رؤبة:
لا يفنون منهم من فاظا
[ ص: 249 ] أي: من هلك.
وقال فاظ هو نفسه، وأفظته أنا نفسه، قال: وقال الكسائي: أبو عبيدة: ومن العرب من يقول: فاضت نفسه بالضاد، وأنشد لبعض الرجاز:
اجتمع الناس وقالوا عرس زلحلحات مائرات ملس
ففقئت عين وفاضت نفس إذا قصاع كالأكف خمس
قال: وقال ناس من الكسائي: تميم يقولون: فاضت نفسه تفيض.
وحدثنا قال: وحدثني أبو بكر بن الأنباري، أبي، قال: حدثنا أحمد بن عبيد، عن أبي عبيدة، قال: أتينا رجلا من بني مخزوم، وكان مولى ضاحية بني تميم، فوافى دكين الراجز، فقال: للبواب: إني ألاع إلى السجن أدخلني، فأبى البواب أن يدخله، فوقف دكين الراجز على دكان وقد انصرف بعض القوم، وأنشأ يقول:
اجتمع الناس وقالوا عرس إذا قصاع كالأكف خمس
زلحلحات قد جمعن ملس ففقئت عين وفاظت نفس
فقال له البواب: من أنت لا حياك الله؟ قال: أنا دكين الراجز ، فأدخله.
قال أبو بكر، قال لي أبي، قال أحمد بن عبيد: ألاع معناه: أتوقد حرصا عليه، ويحترق فؤادي طلبا له، قال القاضي: من هذا قول الأعشى:
ملمع لاعة الفؤاد على الجح ش فلاه عنها فبئس الفالي
قال ابن الأنباري: الزلحلحات: التي تجول وتذهب فكأنها لا تقر في موضع واحد - وجرى بين الأصمعي في هذا الباب تشاجر ومنازعة - وفاظت نفس، فقال وأبي عبيدة العرب لا تقول: فاظت نفسه ولا فاضت نفسه، وإنما يقولون: فاظ الرجل إذا مات وطن الضرس. الأصمعي:
وقال أبو عبيدة: كذب الباهلي - يعني ما هو إلا فاظت نفس. الأصمعي -:
قال القاضي: قول وطن الضرس إخبار منه، لأن الرواية الصحيحة في تمام هذا البيت: وطن الضرس مكان وفاظت نفس، وقد أتى في هذا أربع روايات: فاظت نفس وفاضت نفس، وطن الضرس وطنت ضرس، واستشهد بهذه الرواية من رأى تأنيث الضرس على معنى تأنيث السن. الأصمعي:
وقال أبو حاتم في الضرس: ربما أنثوه على معنى السن، قال: وأنكر تأنيثه، قال: وأنشدنا قول الأصمعي دكين الراجز: ففقئت عين وطنت ضرس إنما هو: وطن الضرس، قال: فلم يفهمه الذي سمعه، وأخطأ سمعه.
قال أبو بكر: قال أصحاب الكسائي ومن نقل عنهما، فقال: فاضت نفسه [ ص: 250 ] وفاظت نفسه، وفاظ الميت نفسه وأفاظه الله نفسه. والفراء
وحدثنا أبو بكر: قال: وحدثنا قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نصر بن علي، قال: حدثنا عن الأصمعي، قال: يقال: فاظ الميت ولا يقال: فاظت نفسه، وعلى قول من أجاز فاضت نفسه تفيض، قال الشاعر: أبي عمرو بن العلاء،
كادت النفس أن تفيض عليه إذ ثوى حشو ريطة وبرود
قال القاضي: وأرى أن من قال: فاض الميت مكان فاظ، أخذه من قولهم: فاظ الإناء إذا طفح فخرج منه بعض ما فيه، وفاض الدمع: إذا انحدر وسال، فكأن النفس لما ضاق بها الحي لم يحملها ففاضت وسالت، يقال: نفس سائلة، قال امرؤ القيس:
ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي
وقال الأعشى:
من ديار بالهضب هضب القليب فاض ماء الشؤون فيض الغروب
أنشدنا أبو محمد بن الحسن بن عثمان البزار، قال: أنشدني محمد ابن الرومي مولى الطاهري. في أبي جعفر محمد بن جرير الطبري:
كان بحرا من العلوم فلما فاض بالنفس غاض بحر معين
من له بعده إذا هو لا هو مثله غيره عليه أمين
وقال وقال ابن السكيت، وجب الرجل فهو واجب إذا مات، وأنشد الأصمعي: لقيس بن الخطيم:
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب
قال القاضي: فعلى هذا التأويل قد يحمل الجبل الواجب الذي في البيت، الذي قدمنا روايته عن أوس بن حجر: أن يكون معناه: الميت، ومعناه عندي: الواقع الساقط، ومن قولهم: وجبت الشمس إذا سقط القرص، وقال الله تبارك وتعالى: فإذا وجبت جنوبها .