الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
توجيه إعراب بيت جرير

ونحن الآن منجزو ما وعدنا في البيان عن اختلاف النحويين في قول جرير:


تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

 

وفي إعراب "نجوم الليل"، وفي وجه نصب قوله: والقمرا، فأما من روى:


الشمس طالعة ليست بكاسفة



فإنه ينصب: نجوم الليل بإعمال كاسفة، كما يقال: هي ضاربة عبد الله، ويعطف القمر على نجوم الليل، وقوله: تبكي صفة لقوله الشمس طالعة، وتبكي في موضع رفع، كأنه قال: طالعة باكية، وقد يكون تبكي في موضع نصب على أنه بمعنى الحال، إما من [ ص: 251 ] الشمس أو من التاء في ليست، كأنه قال: ليست في حالة بكاء، وقد تكون سادة مسد خبر ليس، ونصب نجوم الليل بكاسفة.

وأشهر الجوابات في هذا وأعرفها، وأقربها مأخذا أن جملة معنى هذا القول: أن الشمس لم تقو على كسف النجوم والقمر لإظلامها وكسوفها، وقد قال قائلون: نصب "نجوم الليل" بقوله: تبكي، والمعنى: تبكي عليك مدة نجوم الليل والقمر، فنصب على الظرف.

وحكى عن العرب: لا أكلمك سعد العشيرة أي: زمانه، وقال آخرون: المعنى: تغلب ببكائها عليك بكاء نجوم الليل، وفي هذا التأويل وجهان، أحدهما أن يكون أريد بالنجوم والقمر السادات الأماثل، كما قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر:


ألم تر أن الله أعطاك سورة     ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب     إذا طلعت لم يبد منهن كوكب



وقد تأول المفضل الضبي قول الفرزدق:


أخذنا بآفاق السماء عليكم     لنا قمراها والنجوم الطوالع



أنه عنى بالقمر: محمدا وإبراهيم صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع: أئمة الدين وخلفاء المسلمين، وإن كان غيره قد تأول ذلك أنه الشمس والقمر والكواكب، ومثل هذا أيضا:


وما لتغلب إن عدوا مساعيهم     نجم يضيء ولا شمس ولا قمر



وهذا التأويل في تبكي أي: تغلب ببكائها من الباب الذي يقال فيه: خاصمني فخصمته وغالبني فغلبته، كما قال الأخطل:


إن الفرزدق صخرة ملمومة     طالت فليس نيالها الأوعالا



يريد: طالت الأوعال فليست تنالها أنت، ذهب إلى هذا أبو بكر بن الأنباري، وما علمت أحدا سبقه إليه، وجائز أن يكون المعنى: أن الأوعال ليست تنال الصخرة وقد طالتها، وتكون من باب الفاعلين والمفعولين اللذين يفعل كل واحد منهما لصاحبه مثل ما فعل به، مثل: ضربت وضربني زيد وزيدا، ولهذا موضع ييسر فيه.

وأما من روى: نجوم الليل والقمرا، فإنه من باب المفعول معه، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وما صنعت وأباك، ومنه قول الشاعر:


فكونوا أنتم وبني أبيكم     مكان الكليتين من الطحال



ويروى: الشمس كاسفة ليست بطالعة، فإنه استعظم أن تطلع ولا تكسف مع المصاب.

ومثل: ألم تكسف الشمس في البيت الذي قدمنا ذكره، مثل هذا قول الشاعر:


أيا شجر الخابور ما لك مورقا     كأنك لم تجزع على ابن طريف
[ ص: 252 ] فتى لا يحب الزاد إلا من التقى     ولا المال إلا من قناة سيوف



التالي السابق


الخدمات العلمية