حدثنا محمد بن القاسم الأنباري ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أحمد بن عبيد ، قال : أخبرنا الأصمعي .
قال : هارون أمير المؤمنين ، فقدمت إليه فالوذجة ، فقال : يا قلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، فقال : حدثني حديث أصمعي! مزرد أخي شماخ ، فقلت : يا أمير المؤمنين! إن مزردا كان غلاما نهما جشعا ، وكانت أمه تؤثر عيالها بالزاد عليه ، وكان ذلك يغيظه ويغمه ، فذهبت أمه يوما في بعض حقوق أهلها وخلفت مزردا في رحلها ، فدخل الخيمة وأخذ صاعي دقيق وصاع عجوة وصاع سمن ، فضرب بعضه ببعض وأكله ، ثم أنشأ يقول : كنت يوما عند
ولما مضت أمي تزور عيالها أغرت على العكم الذي كان يمنع خلطت بصاعي حنطة صاع عجوة
إلى صاع سمن وسطه يتربع ودبلت أمثال الأثافي كأنها
رءوس نقاد قطعت يوم تجمع وقلت لبطني أشبع اليوم إنه
حمى أمنا مما تفيد وتجمع فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه
وإن كنت غرثانا فذا يوم تشبع
معنى النهم والنقد ، والصفر والغرث
قال القاضي : قوله : كان غلاما نهما ، يعني حريصا على الأكل وهو كالشره والجشع ، يقال : نهم ينهم نهما فهو نهم ، مثل شره يشره شرها ويقال أيضا : رجل منهوم ، وقد قدمنا القول في ذلك .
والنقاد : الغنم الصغار التي هي شرط ليست خيرات ولا حرزات ، يقال لها : نقد ، كما قال الراجز :
لو كنتم شاء لكنتم نقدا
وقول مزرد يخاطب بطنه : فإن كنت مصفورا ، يعني : وإن كان بك الصفر وهو داء في البطن يهيج الجوع على صاحبه ، قال الشاعر :
لا يغمز الساق من أين ولا نصب ولا يعض على شرسوفه الصفر
واستقصاء بيان هذا مرسوم في موضعه ، فأما الصفر في بيت مزرد وفي البيت الذي استشهدنا به ، فإنه الداء الذي وصفناه دون غيره .
وأما قوله : فإن كنت غرثانا فإنه من الغرث ، وهو الجوع ، يقال : رجل غرثان أي جائع ، وامرأة غرثى ، مثل غضبان وغضبى ، قال الأعشى :
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل